
نجم الدين دريسة
منذ ما بعد الاستعمار، تشكلت دولة نخبويّة عنصرية لم تكتف بالقمع والبطش ضد شعوب الهامش، بل ذهبت أبعد من ذلك حين سخّرت آلة الإعلام لتزييف الوعي وتغبيشه، فصنعت سرديات زائفة لتبرير مشروعها الاستعماري الجديد. الإعلام هنا لم يكن مجرد ناقل للخبر، بل أداة هيمنة ذكية، تُشيطن حركات التحرر الوطني منذ زمن الدكتور جون قرنق وحتى اليوم مع الفريق محمد حمدان دقلو “حميدتي”.
والمؤسف أن هذه المنظومة الإعلامية السودانية النخبوية استطاعت مدّ نفوذها إلى الفضاء العربي عبر عناصرها المزروعة في القنوات المؤثرة مثل الجزيرة والعربية والحدث، حيث تحولت هذه المنابر إلى بوق يعيد إنتاج الرواية الرسمية للنخب القديمة. صارت تنقل الأكاذيب وتغطي على الجرائم والانتهاكات، وتُلمّع صورة الجيش باعتباره “حامي الحمى”، بينما هو في الواقع مؤسسة استعمارية كانت على الدوام أداة بطش ضد شعوب السودان المهمّشة، وحاجزاً منيعاً أمام أي مشروع مدني ديمقراطي.
الأدهى من ذلك أن هذه القنوات مارست تضليلاً ممنهجاً عبر ما تسميه “استطلاعات الرأي”، وهي في حقيقتها عيّنات مختارة بعناية لتوجيه الرأي العام نحو ما يخدم أجندتها، فكانت الاستطلاعات جزءاً من آلة صناعة الوهم لا أداة قياس حقيقية. كما أنها بالغت في شيطنة قوات الدعم السريع وتصويرها كجماعة خارجة على الإجماع الوطني، بينما الواقع يبرهن أنها تستند إلى رصيد شعبي واسع في مختلف أقاليم السودان.
ومع كل هذا التزييف، فإن الشعب السوداني بدأ يفتح عينيه على الحقيقة، ويدرك بوعي متقدم أن هذه الدعاية السوداء ليست سوى ستار دخاني لإخفاء فظائع المليشيات والانتهاكات الممنهجة. لقد صار الناس أكثر قدرة على التفريق بين الإعلام الحر والإعلام المأجور، وبين الحقيقة والسراب، حتى غدا تضليل تلك القنوات مادة للسخرية والتندر.
وكما قيل:
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمدٍ
ويُنكر الفم طَعم الماء من سقمِ
وقال الآخر:
وعين الرضا عن كل عيب كليلةٌ
ولكن عين السخط تبدي المساوِيا
إنها معركة الوعي، ومعركة الوعي أخطر من معركة البندقية، غير أن الشعب بدأ يخوضها بصلابة، ولن تنطلي عليه الأكاذيب طويلاً.




