اللغة الفوراوية تستعيد بريقها في كمبالا.. احتفاء رصين بالهوية ورسائل قوية من السلطان أحمد دينار
التنوير تقرير القسم الثقافي


التنوير تقرير القسم الثقافي
في مشهد ثقافي حمل أبعاداً تتجاوز حدود الاحتفال الرمزي، شهدت العاصمة الأوغندية كمبالا فعالية متميزة بمناسبة اليوم العالمي للغة الأم للعام 2026، نظمتها منظمة أوري كتومو عبر مدرسة تطوير وتعليم اللغة الفوراوية، وسط حضور واسع من أبناء الجالية الدارفورية ومهتمين بالشأن الثقافي والتعليمي.
وجاءت الفعالية لتؤكد أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتخاطب، بل وعاء للهوية والتاريخ والذاكرة الجمعية، ورسالة متجددة للحفاظ على الإرث الحضاري لشعوب دارفور، وفي مقدمتها شعب الفور الذي ارتبط اسمه بتاريخ سياسي وثقافي عريق في السودان والمنطقة.
السلطان أحمد دينار: اللغة جسر المودة وكاشف الحضارة
خاطب الفعالية السلطان أحمد حسين أيوب علي دينار، سلطان دارفور، حيث عبّر عن شكره وتقديره للجهات المنظمة، مثمناً الجهود المبذولة لإحياء اللغة الفوراوية وتعليمها للأجيال الجديدة.

وأكد السلطان أن لغة الأم تمثل جسراً حقيقياً للتواصل الحميم بين أفراد المجتمع، وأنها الأداة الأصدق لحفظ الروابط الاجتماعية والثقافية، مشيراً إلى أن الاعتناء باللغة الفوراوية يمهد الطريق لإبراز آثار حضارة دارفور العريقة وتعريف العالم بإسهاماتها التاريخية.
كما أبدى رغبته الصادقة في دعم مراكز البحوث والخبراء المختصين، من أجل تطوير اللغة الفوراوية وفق منهج علمي حديث، حتى تجد مكانتها المستحقة ضمن لغات العالم، عبر التوثيق، والتدريس، وإعداد المناهج، والاستفادة من الوسائط الرقمية المعاصرة.
اللغة الأم.. حصن الهوية في زمن العولمة
شكلت الفعالية مناسبة مهمة للتذكير بالمخاطر التي تواجه اللغات المحلية في ظل التحولات العالمية المتسارعة، وهيمنة اللغات الكبرى على مجالات التعليم والإعلام والتكنولوجيا.
وأكد المشاركون أن اللغة الأم ليست مجرد مفردات تُستخدم في الحياة اليومية، بل تمثل منظومة قيمية وثقافية كاملة، تحمل عادات المجتمع، وأمثاله الشعبية، وحكمته المتوارثة، ونظرته إلى الكون والإنسان.

وفي هذا السياق، برزت أهمية اللغة الفوراوية باعتبارها إحدى اللغات التاريخية في السودان، والتي ارتبطت بسلطنة دارفور وبإرث اجتماعي وثقافي غني، ما يجعل الحفاظ عليها مسؤولية جماعية تتطلب عملاً مؤسسياً مستداماً.
وأشار مهتمون بالشأن الثقافي إلى أن تعليم الأطفال لغتهم الأم يعزز الثقة بالنفس، ويقوي الشعور بالانتماء، ويدعم التحصيل المعرفي، خاصة حين يتم الجمع بين اللغة المحلية والتعليم الحديث بصورة متوازنة.
مشاركة واسعة من الأطفال والشباب
شهدت الفعالية حضوراً لافتاً من الأطفال والشباب، حيث قُدمت فقرات تعليمية وثقافية متنوعة هدفت إلى إبراز جمال اللغة الفوراوية وأهميتها في الحياة اليومية.
وتضمنت البرامج عروضاً لغوية وأناشيد ومشاهد تربوية، إلى جانب أنشطة تفاعلية ركزت على تعليم المفردات الأساسية، وربط الأجيال الجديدة بجذورها الثقافية، في أجواء عكست حماساً مجتمعياً متزايداً تجاه قضايا الهوية واللغة.

وعدّ مراقبون هذه المشاركة الواسعة مؤشراً إيجابياً على تنامي الوعي بأهمية حماية اللغات المحلية من التراجع، خصوصاً وسط المجتمعات التي تعيش ظروف النزوح أو الهجرة، حيث تصبح اللغة أحياناً آخر ما تبقى من الوطن في الذاكرة.
كما لفتت الفعالية الأنظار إلى الدور الكبير الذي يمكن أن تلعبه المدارس المجتمعية والمبادرات الطوعية في صون التراث اللغوي، حين تتكامل مع جهود الأكاديميين والقيادات الأهلية.
رسالة سلام تتجاوز الاحتفال
من الجوانب اللافتة في المناسبة، تجديد السلطان أحمد دينار لمبادرته المجتمعية التي سبق أن طرحها قبل اندلاع الحرب، والتي ترتكز على عقد اجتماعي يقوم على نبذ الكراهية والاستعلاء العرقي، وترسيخ قيم العدالة والمواساة والتعايش السلمي.
وحملت هذه الرسالة دلالات مهمة، إذ ربطت بين حماية اللغة الأم وحماية النسيج الاجتماعي، باعتبار أن التنوع الثقافي لا يمكن أن يزدهر في بيئة الصراع والانقسام، بل يحتاج إلى مناخ من السلام والاحترام المتبادل.

ويرى متابعون أن الاحتفاء باللغات المحلية في هذا التوقيت يمثل شكلاً من أشكال المقاومة الثقافية ضد التهميش والنسيان، ورسالة بأن الشعوب قادرة على صون إرثها حتى في أحلك الظروف.
وفي ختام الفعالية، عبّر المشاركون عن تقديرهم للجهود التي بُذلت لإنجاح المناسبة، مؤكدين أن اللغة الفوراوية تستحق مزيداً من الدعم المؤسسي، سواء عبر مراكز بحثية متخصصة أو برامج تعليمية حديثة تضمن انتقالها للأجيال القادمة.
وهكذا، لم يكن احتفال كمبالا مجرد مناسبة عابرة، بل منصة لإعلان تمسك مجتمع كامل بلغته وتاريخه، ورسالة تقول إن الأمم التي تحفظ لغتها، تحفظ نفسها من الضياع.




