من قائمة الإرهاب إلى قائمة الخطر الكيميائي واشنطن تشن هجوماً اقتصادياً وتقنياً واسعاً على سلطة بورتسودان وتدفع السودان نحو عزلة جديدة
التنوير تقرير قسم السياسي

التنوير تقرير قسم السياسي
في تطور يُعد من أخطر التحولات في مسار العلاقة بين السودان والولايات المتحدة منذ رفع اسم الخرطوم من قائمة الدول الراعية للإرهاب عام 2020، شرعت واشنطن في تنفيذ حزمة عقوبات جديدة ومشددة تستهدف قدرة السودان على الوصول إلى التكنولوجيا والسلع والمعدات الأمريكية، بعد اتهامات رسمية باستخدام أسلحة كيميائية في الحرب الدائرة بالبلاد.
ولا تقتصر أهمية القرار الأمريكي على طبيعته القانونية أو الإجرائية، بل تتجاوز ذلك إلى ما يحمله من رسائل سياسية واستراتيجية عميقة، إذ يعكس انتقال السودان مجدداً إلى دائرة الدول عالية المخاطر في الحسابات الأمريكية، ويؤشر إلى مرحلة جديدة من العزلة التقنية والاقتصادية قد تكون لها تداعيات واسعة على مستقبل البلاد.
من قائمة الامتيازات إلى قائمة المخاطر
عندما رفعت الولايات المتحدة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب في ديسمبر 2020، اعتُبر ذلك آنذاك بداية لمرحلة جديدة من الانفتاح الاقتصادي والسياسي، وأعقبته إجراءات أمريكية منحت الخرطوم قدراً من المرونة في الوصول إلى بعض التقنيات والسلع الخاضعة للرقابة.
لكن التطورات اللاحقة أعادت المشهد إلى نقطة مختلفة تماماً.
فبموجب القرار الجديد، سيتم إخراج السودان من Country Group B وإدراجه ضمن Country Group D:3، وهي مجموعة تضم الدول التي ترى واشنطن أنها تثير مخاوف تتعلق بالأسلحة الكيميائية والبيولوجية والأمن القومي.
وبذلك تنتقل الخرطوم من موقع المستفيد من بعض الاستثناءات والتسهيلات إلى موقع الدولة التي تواجه قيوداً مشددة وافتراضاً مسبقاً بالرفض في معظم طلبات التصدير.
الاتهام الذي غيّر المعادلة
يرتكز القرار الأمريكي على إعلان صادر عن وزارة الخارجية الأمريكية خلص إلى أن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية في انتهاك للقانون الدولي.
ورغم أن السلطات الأمريكية لم تنشر تفاصيل فنية علنية حول طبيعة المواد المستخدمة أو مواقع الاستخدام أو الأدلة الاستخباراتية التي استندت إليها، فإن مجرد صدور هذا التقييم كان كافياً لتفعيل العقوبات المنصوص عليها في قانون مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية لعام 1991.
وتكمن خطورة هذا التطور في أن الاتهامات المتعلقة بالأسلحة الكيميائية تُعد من أخطر الاتهامات في النظام الدولي المعاصر، إذ ترتبط مباشرة بقضايا الأمن العالمي وجرائم الحرب والالتزامات الدولية.
ماذا يعني تصنيف السودان ضمن D:3؟
قد يبدو التصنيف الجديد فنياً في ظاهره، لكنه عملياً يحمل آثاراً اقتصادية واستراتيجية كبيرة.
فالدول المدرجة ضمن هذه المجموعة تواجه قيوداً واسعة على استيراد التقنيات الأمريكية المتقدمة والمنتجات ذات الاستخدام المزدوج، أي تلك التي يمكن استخدامها في المجالات المدنية والعسكرية في آن واحد.
ويشمل ذلك قطاعات التكنولوجيا والصناعة والطيران والاتصالات والطاقة والبرمجيات والمعدات الهندسية المتخصصة.
كما أن أي شركة أمريكية أو دولية تتعامل مع منتجات أو مكونات أمريكية ستصبح أكثر حذراً في التعامل مع السودان خوفاً من الوقوع تحت طائلة العقوبات أو القيود التنظيمية.
سياسة “افتراض الرفض”
أحد أخطر بنود القرار يتمثل في اعتماد ما يُعرف بسياسة Presumption of Denial أو “افتراض الرفض”.
وبموجب هذه السياسة، يصبح الرفض هو القاعدة الأساسية لأي طلب تصدير أو إعادة تصدير إلى السودان، بينما تتحول الموافقة إلى استثناء يحتاج إلى مبررات خاصة وإجراءات معقدة.
وهذا يعني عملياً تضييق الخناق على قدرة السودان في الحصول على معدات وتقنيات حديثة حتى في المجالات التي لا ترتبط مباشرة بالجانب العسكري.
ويرى خبراء أن هذه الآلية أكثر تأثيراً من كثير من العقوبات التقليدية لأنها تستهدف شرايين التطور التكنولوجي والاقتصادي على المدى الطويل.
ضربة تتجاوز البعد الاقتصادي
على الرغم من أن العقوبات تبدو ذات طبيعة تجارية، فإن أبعادها الحقيقية سياسية بامتياز.
فالولايات المتحدة لا توجه رسالة اقتصادية فحسب، بل ترسل إشارة واضحة إلى المجتمع الدولي بأنها تنظر بقلق بالغ إلى سلوك السلطة القائمة في بورتسودان.
كما أن إدراج السودان ضمن قائمة ترتبط بمخاوف الأسلحة الكيميائية يضع البلاد في دائرة مراقبة دولية أكثر حساسية، وقد يفتح الباب أمام ضغوط إضافية من حلفاء واشنطن والمؤسسات المالية والاقتصادية العالمية.
انعكاسات محتملة على الحرب الجارية
يأتي القرار في وقت تشهد فيه البلاد حرباً مدمرة أدت إلى انهيار واسع في الاقتصاد والبنية التحتية والخدمات الأساسية.
وفي ظل هذا الواقع، قد تؤدي القيود الجديدة إلى تعقيد جهود التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار مستقبلاً، خاصة إذا استمرت الحرب وتوسعت دائرة العقوبات والقيود الدولية.
كما أن القرار يعزز من عزلة السلطة القائمة ويضيف تحديات جديدة أمام قدرتها على جذب الاستثمارات أو الحصول على التكنولوجيا الضرورية لإدارة قطاعات حيوية في الدولة.
السودان أمام منعطف جديد
بعيداً عن الجدل السياسي حول الاتهامات الأمريكية وصحتها من عدمها، فإن الحقيقة الثابتة هي أن السودان دخل مرحلة مختلفة من علاقته مع واشنطن.
فالبلاد التي خرجت قبل سنوات قليلة من قوائم العقوبات الثقيلة تجد نفسها اليوم أمام قيود جديدة أكثر تعقيداً وخطورة، في وقت تعيش فيه واحدة من أسوأ أزماتها السياسية والإنسانية والاقتصادية.
ولذلك لا يُنظر إلى قرار نقل السودان إلى مجموعة D:3 باعتباره مجرد تعديل تنظيمي داخل لوائح وزارة التجارة الأمريكية، بل باعتباره مؤشراً سياسياً واستراتيجياً على تراجع مكانة السودان الدولية وعودة المخاوف الغربية بشأن مسار السلطة الحاكمة وسلوكها خلال الحرب.
وفي المحصلة، تبدو الرسالة الأمريكية واضحة: استخدام الأسلحة المحظورة ـ أو حتى الاتهام الجدي باستخدامها ـ لم يعد ملفاً يمكن تجاوزه دبلوماسياً، بل أصبح مدخلاً لعقوبات طويلة الأمد قد تعيد رسم موقع السودان في النظام الدولي لسنوات قادمة.




