شبكة السرديات الموجهة: قراءة استخباراتية في بنية “الشبكة الشبابية” ودورها في الحرب المعلوماتية ضد قوات الدعم السريع
عزالدين حسن

عز الدين حسن
طالب دراسات عليا – تخصص الدراسات الاستراتيجية والأمنية
في خضم الحرب الدائرة في السودان، تتصاعد معركة موازية لا تقل ضراوة: إنها حرب السرديات والمعلومات. هذه الحرب تُخاض عبر تقارير حقوقية، ومنصات إعلامية، وكيانات مدنية تظهر فجأة على السطح بتمويل وتنظيم وتوجيه غامض، في مشهد يعكس تعقيد الصراع وتشابك مصالحه إقليمياً ودولياً.
هذه الورقة التحليلية تقدم قراءة استخباراتية معمقة لـ “الشبكة الشبابية” التي تأسست في كمبالا عام 2023، وتكشف عن بنيتها التنظيمية، ومصادر تمويلها، وأهدافها الحقيقية كأداة في معركة التأثير على الرأي العام الدولي والمحلي، بهدف تشويه صورة قوات الدعم السريع وتحالف “تأسيس”، واستغلال معاناة النازحين والجاليات السودانية في صراع سياسي لا علاقة لهم به.
أولاً: مقدمة – عندما تتحول الحقوق إلى سلاح
في حروب الجيل الرابع، لم تعد ساحة المعركة مقتصرة على المدافع والطائرات، بل امتدت إلى منصات التواصل الاجتماعي، وقاعات المنظمات الدولية، وتقارير مراكز الدراسات. في هذا النوع من الحروب، يتم توظيف الخطاب الحقوقي والإنساني كسلاح استراتيجي لتكريس رواية معينة، وتجريم الطرف الآخر، وكسب التعاطف الدولي.
في زمن تتداخل فيه الأوراق، وتتشابك فيه المصالح، وتُصنع فيه الحقائق بأيدي لا ترى النور، تظهر كيانات تلبس ثوب الحيادية والنزاهة، بينما تخفي خلف ذلك كله مخالب استخباراتية وأجندة سياسية ضيقة. من بين هذه الكيانات، تبرز “الشبكة الشبابية” التي أعلن عن تشكيلها في كمبالا العام 2023، لتكون حسب ادعائها منصة لرصد وتوثيق الانتهاكات. ولكن بالتحليل المنطقي والتشريح السياسي والاجتماعي، تتكشف لنا حقيقة هذه الشبكة باعتبارها مجرد أداة في يد أجهزة استخباراتية سودانية تعمل ضمن لعبة إقليمية ودولية أوسع، تستهدف في المقام الأول تشويه صورة قوات الدعم السريع وتحالف “تأسيس” الذي يمثل طموح شعبنا في بناء سودان جديد.
ثانياً: كمبالا كنقطة انطلاق – امتنان للدول المستضيفة واستنكار لاستغلال سفاراتنا
1. الشكر والتقدير لدول الجوار
لا يمكن أن نبدأ هذا التحليل دون توجيه خالص الشكر والتقدير لدول الجوار الشقيق: أوغندا، جنوب السودان، تشاد، إثيوبيا، كينيا، رواندا، على ما تقدمه من جهود كبيرة في استضافة ملايين اللاجئين السودانيين الفارين من ويلات الحرب. إن مواقف هذه الدول الأخوية تعكس أصالة الشعوب الإفريقية وتضامنها مع السودان في محنته.
كما نثمن عالياً استقبال أوغندا الشقيقة للقائد محمد حمدان دقلو “حميدتي”، في لفتة تعكس حرصها على دعم جهود إنهاء الحرب وتحقيق السلام في السودان. هذه المواقف النبيلة تؤكد أن دول الجوار تقف على مسافة واحدة من الجميع، وتسعى فقط لاستقرار المنطقة.
2. لكن من المستفيد حقاً من هذه الاستضافة؟
المشكلة لا تكمن في هذه الدول الشقيقة، بل في استغلال بعض السفارات السودانية الموجودة على أراضيها لتحويلها إلى منصات لنشاطات معادية لقوات الدعم السريع.
تشير المعلومات إلى أن عناصر “الشبكة الشبابية” يتمتعون بـ “حماية عسكرية” عبر السفارة السودانية في جنوب السودان، والسفارة السودانية في أوغندا، والسفارة السودانية في إثيوبيا. هذا يعني أن:
· دبلوماسيين سودانيين يخونون واجبهم الوطني، ويستخدمون الحصانة الدبلوماسية لحماية الشبكة .
· أموال الشعب السوداني (المخصصة للعمل الدبلوماسي) تُوظف في تمويل أنشطة استخباراتية معادية.
· هناك انقسام داخل الجهاز الدبلوماسي بين من يعمل لصالح الوطن ومن يعمل لصالح أجندة الحركات المسلحة.
ثالثاً: التشكيل والتمويل – هندسة استخباراتية بغطاء مدني
1. الهيكل القيادي: وجوه مدنية وأجندة عسكرية
تكونت الشبكة في كمبالا، وضمت في عضويتها أسماءً لامعة في الإعلام والحقوق مثل “سمر، إلهام، هناء”، إلى جانب شباب متطوعين يبحثون عن لقمة عيش. لكن خلف هؤلاء الوجوه، يقف مهند يعقوب (مدير مكتب وزير المعادن أبو نمو والأمين الإعلامي لحركة جيش تحرير السودان) وعمدة بوش (الأمين العام للشباب بالحركة نفسها).
وهنا السؤال المنطقي: ما علاقة حركة مسلحة موالية للجيش ووزير معادن في الحكومة بتشكيل شبكة شبابية “مستقلة”؟
الإجابة بسيطة: لا وجود لاستقلال، بل هي ذراع دعائية واستخباراتية ممولة من وزير المالية جبريل إبراهيم نفسه، وهو ما يعني أن أموال الشعب السوداني تُوظف لتمويل حملات تشويه تستهدف أبناء الشعب أنفسهم.
2. نموذج “المنظمات الواجهة”
هذه التركيبة تكشف عن نموذج كلاسيكي لـ “المنظمات الواجهة” (Front Organizations)، حيث تُستخدم وجوه مدنية وحقوقية لإضفاء الشرعية على كيان يدار بأجندة سياسية واستخباراتية بحتة.
الاسم الصفة الرسمية الدلالة التحليلية
حيدر عبدالكريم ناشط يمثل الواجهة الشبابية
عمدة بوش الأمين العام للشباب بحركة جيش تحرير السودان ارتباط عضوي بحركة مسلحة متحالفة مع الجيش
مهند يعقوب مدير مكتب وزير المعادن والأمين الإعلامي لحركة جيش تحرير السودان صلة مباشرة بوزارة سيادية وحركة مسلحة
سمر، إلهام، هناء صحفيات وحقوقيات الغطاء الإعلامي والحقوقي
شباب متطوعون – القاعدة الجماهيرية الوهمية
رابعاً: الانتشار الإقليمي – شبكة استخباراتية متعددة العقد
لم تكتفِ الشبكة بمكتب في كمبالا، بل مدّت أذرعها إلى جوبا، أديس أبابا، نيروبي، كيغالي، إنجمينا، القاهرة، وبورتسودان. هذا الانتشار المكثف لا يخدم أي هدف حقوقي حقيقي، بل هو محاولة لرصد أي تحرك سياسي أو مجتمعي يمكن أن يدعم الدعم السريع.
في التحليل الاستخباراتي، يُعرف هذا النمط باسم “الشبكة متعددة العقد” (Multi-node Network)، ويستخدم عادة لـ:
· جمع المعلومات الاستخبارية من عدة مصادر.
· تنسيق السرديات الإعلامية عبر عواصم متعددة.
· خلق وهم “التغطية الدولية” لتقارير مشبوهة.
· الضغط على حكومات إقليمية لتبني روايات معينة.
الحماية العسكرية: من يوفرها حقاً؟
من المهم هنا التأكيد على أن دول الجوار (أوغندا، جنوب السودان، إثيوبيا، تشاد) غير مسؤولة عن أنشطة هذه الشبكة. المسؤولية تقع بالكامل على:
· السفارات السودانية في هذه الدول التي تقدم الحماية والتسهيلات لعناصر الشبكة.
· الدبلوماسيين السودانيين الذين يسيئون استخدام الحصانة الدبلوماسية لخدمة أجندة حزبية ضيقة.
· الحركات المسلحة التي تدير الشبكة عبر أذرعها في هذه السفارات.
خامساً: آلية العمل – كيف تُصنع التقارير المفبركة؟
من أخطر ما تنتجه هذه الشبكة هو التقارير المفبركة عن اغتصابات وانتهاكات نسبت لقوات الدعم السريع في الجزيرة والنيل الأزرق والفاشر.
1. سيناريوهات فبركة الانتهاكات
تعمل الشبكة وفق منهجية منظمة لتلفيق التقارير:
· تحديد الهدف الجغرافي: يتم اختيار مناطق التوتر التي تشهد عمليات عسكرية للدعم السريع.
· تفريغ الأحداث من سياقها: يتم انتزاع أي حادثة من سياقها الحربي العام.
· تضخيم الشهادات الفردية: يتم البحث عن أي شاهد (حقيقي أو مزيف) يمكنه الإدلاء بشهادة تخدم السردية المطلوبة.
· الفبركة المباشرة: في حال عدم توفر شهادات حقيقية، يتم اختلاق قصص اغتصاب وانتهاكات كاملة.
· الترويج الدولي: تُرسل التقارير إلى منظمات دولية عبر قنوات السفارات.
2. الحرب النفسية وتشويه الصورة
من الناحية النفسية، هذا النوع من التلفيق يهدف إلى خلق حالة من النفور المجتمعي ضد الدعم السريع. تعتمد الشبكة على آليات الحرب النفسية (Psychological Warfare) عبر:
· التكرار: تكرار الاتهامات حتى تتحول إلى “حقيقة”.
· التعميم: جعل أي حادثة فردية نموذجاً لـ “سلوك ممنهج”.
· التجريد من الإنسانية: تصوير عناصر الدعم السريع كوحوش لا أخلاقية.
سادساً: استغلال الجاليات والنازحين – تجنيد تحت ستار الإغاثة
من أخطر ما تقوم به هذه الشبكة هو استهداف النازحين والجاليات السودانية.
وفقاً لتقارير أممية، تجاوز عدد النازحين خارج السودان أكثر من 9 ملايين نازح، هذه الأرقام الضخمة تمثل بيئة خصبة للاستغلال.
كيف تستغل الشبكة النازحين؟
1. الوهم المادي: إغراء شباب النازحين بمبالغ مالية صغيرة مقابل “المساعدة في التوثيق”.
2. الابتزاز العاطفي: استغلال آلام النازحين وتوجيه غضبهم ضد الدعم السريع.
3. التجنيد المعنوي: دفع النازحين لتوقيع شهادات دون وعي بالعواقب.
4. خلق وكلاء محليين: تدريب بعض النازحين ليصبحوا “ناشطين” ينشرون السردية المطلوبة.
هذه هي القمة الأخلاقية: استخدام معاناة الناس كوقود لحرب .
إن هؤلاء النازحين، الذين فقدوا بيوتهم وأرزاقهم وأحياناً أهاليهم، ليسوا أدوات في معركة . هم بشر يعانون ويحتاجون إلى دعم حقيقي.
سابعاً: العرابون الحقيقيون – من يقف خلف الشبكة؟
إذا تتبعنا الخيوط، نصل إلى شبكة معقدة من المصالح:
1. المستوى المباشر: مني أركو مناوي وحركته
الحركة تستخدم الشبكة كورقة ضغط سياسي وإعلامي، وكأداة لتسوية حسابات مع الدعم السريع.
2. المستوى التنفيذي: مدير الاستخبارات “صبير”
الإشارة إلى رعاية مباشرة من مدير الاستخبارات تعني أن الشبكة جزء من الاستراتيجية الإعلامية للجيش.
3. المستوى السياسي: وزير المالية جبريل إبراهيم
التمويل المباشر يعني أن الشبكة تحظى بدعم حكومي رفيع المستوى.
4. المستوى الدبلوماسي: سفارات سودانية في دول الجوار
هذه السفارات توفر الغطاء الدبلوماسي والحماية العسكرية لعناصر الشبكة، مستغلة حسن ضيافة الدول المستضيفة.
ثامناً: إلى الجاليات والنازحين – لا تكن وقوداً للحرب
أيها السودانيون في المهجر، أيها النازحون في المخيمات، أنتم الهدف الحقيقي لهذه الشبكات.
لا تكنم وقوداً لهذه اللعبة. هذه الشبكة وأمثالها لا تمثل قضية عادلة، بل تمثل مشروعاً لتفتيت السودان.
إن قوات الدعم السريع وتحالف “تأسيس” تخوض معركة وجود ضد نظام قديم لا يريد أن يموت. هذه المعركة هي معركة كل سوداني يريد الخلاص من عقود من الفساد.
لا تنخدعوا بشعارات الحقوقيين المأجورين. اكشفوا زيفهم، وافضحوا نواياهم، وانضموا إلى صفوف بناء سودان جديد.
الخاتمة: معركة الحقيقة
السودان اليوم ليس ساحة حرب عسكرية فقط، بل هو ساحة حرب سرديات، وحرب استخباراتية.
وفي هذه الحرب، السلاح الأقوى هو الوعي.
الوعي بآليات التضليل.
الوعي بشبكات المصالح.
الوعي بأن مستقبل السودان يُبنى بالحقائق لا بالأكاذيب.
عز الدين حسن
طالب دراسات عليا – تخصص الدراسات الاستراتيجية والأمنية
مارس 2026




