
محمد داؤد بنداك
حين يخرج بعض الإعلاميين في مصر ليقولوا إنه “لا توجد دولة اسمها السودان”، فهذه ليست مجرد زلة لسان… بل فضيحة معرفية كاملة الأركان.
السودان دولة مستقلة منذ عام 1956، عضو في الأمم المتحدة، معترف بها في كل المحافل الدولية. له أرض وشعب وحدود وتاريخ ضارب في القدم. إنكار ذلك ليس رأيًا… بل إنكار للواقع نفسه.
لكن دعونا نضع هؤلاء أمام مرآة الحقيقة التي يتجاهلونها:
في السودان—الذي ينكرون وجوده—تعيش آلاف الأسر من أصول مصرية، لم تُعامل يومًا كغرباء، بل اندمجت وصارت جزءًا أصيلًا من المجتمع السوداني.
في العاصمة المثلثة:
أم درمان (المسالمة، العمدة)، الخرطوم، والخرطوم بحري (الأملاك، حلة حمد).
وفي بقية مدن السودان:
مدني، عطبرة، بورتسودان، الأبيض، الفاشر…
هناك عائلات معروفة، جذورها مصرية، لكنها سودانية الهوى والانتماء، شاركت في التجارة، والتعليم، والفن، والسياسة، وتركت بصمات واضحة في الحياة السودانية.
لم يسألها أحد: من أين أتيتم؟ ولم يُنكر أحد عليها حقها في الانتماء.
فكيف يأتي اليوم من ينكر حتى اسم البلد الذي احتضن أهله وأمثالهم لعقود؟!
أما الكذبة الأكبر، فهي الزعم بأن السودان “كان جزءًا من مصر”.
وهذه ليست قراءة للتاريخ، بل إعادة كتابته وفق هوى سياسي.
الحقيقة الواضحة:
مصر والسودان كانا معًا تحت الهيمنة البريطانية. وما سُمّي بالحكم الثنائي لم يكن إلا ستارًا شكليًا، بينما القرار الحقيقي كان بيد الاستعمار.
والدليل القاطع:
بعد اغتيال لي ستاك عام 1924، أصدرت بريطانيا أوامرها، فانسحب المصريون—جنودًا وموظفين—من السودان خلال 24 ساعة فقط.
فهل تُسحب “دولة” من “دولة” بقرار أجنبي؟!
هذا الخطاب الذي ينكر وجود السودان لا يسيء للسودان وحده، بل يفضح أزمة وعي عميقة لدى من يروّجه.
هو خطاب لا علاقة له بالتاريخ، ولا بالجغرافيا، ولا حتى بالحد الأدنى من المسؤولية المهنية.
السودان ليس فكرة قابلة للنقاش…
ولا اسمًا يمكن حذفه بعبارة في برنامج تلفزيوني.
السودان حقيقة…
ومن ينكرها، إنما ينكر ما هو أوضح من الشمس




