
عماد جدو
يكشف المشهد السوداني عن تلاقي ثلاثة قراءات وهي قراءة نفسية عند المفكر الفرنسي(لوبون) وفكرية تحزيرية عند الاستاذ (محمود محمد طه) وتاريخية عند(ابن خلدون ). وبين هذه الزوايا. تتشكل صورة معقدة للحرب لا تخاض بالسلاح فقط.بل بالافكار ايضا. في حزب السودان الدائرة منذ 15 أبريل 2023، لم يعد المشهد مجرد صراع عسكري بين أطراف متنازعة، بل تحول إلى ساحة مكشوفة تتقاطع فيها السياسة مع علم النفس والاجتماع والتاريخ. ومن بين أكثر الظواهر إثارة للانتباه، سلوك جماهير الحركة الإسلامية، الذي يكاد يُجسّد بصورة لافتة ما طرحه غوستاف لوبون في كتابه الشهير سيكولوجية الجماهير.
يرى لوبون أن الفرد، حين ينخرط في الجماعة، يفقد جزءًا كبيرًا من قدرته على التفكير النقدي، ويتحول إلى كائن تحركه العاطفة والشعارات، لا العقل والتحليل. هذا ما يبدو حاضرًا في خطاب التعبئة الذي اعتمدته الحركة الإسلامية خلال الحرب، حيث تم استدعاء مفردات دينية مكثفة، وتحويل الصراع السياسي إلى معركة وجودية ذات طابع عقدي. في هذا السياق، تصبح الجماهير أكثر قابلية للتعبئة، وأقل ميلاً لمساءلة القيادات أو مراجعة الوقائع.
غير أن هذا المشهد لم يكن مفاجئًا بالكامل. فقد حذّر المفكر السوداني محمود محمد طه منذ عقود من ما أسماه “الهوس الديني”، وهو توظيف الدين في الصراع السياسي بطريقة تُفضي إلى العنف والانغلاق، وتُغلق أبواب الاجتهاد والعقل. ما نشهده اليوم، في كثير من تجلياته، يبدو وكأنه تحقيق عملي لتلك النبوءة الفكرية، حيث يتم تسخير الخطاب الديني لتبرير الحرب، بدل أن يكون أداة للسلام.
أما إذا انتقلنا إلى قراءة تاريخية أعمق، فإن ما يحدث يجد صداه في أفكار ابن خلدون، الذي تحدث في مقدمته عن دورة الدول، وكيف أن الأنظمة التي تقوم على القهر والعصبية المفرطة، تبدأ قوية ثم تدخل تدريجيًا في طور الانحطاط، حين تفقد قدرتها على تحقيق العدالة وتغرق في الصراع الداخلي. وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى الحرب الحالية كأحد تجليات هذه المرحلة، حيث تتآكل بنية الدولة من الداخل، وتتعدد مراكز القوة، وتفقد السلطة احتكارها للعنف المشروع.
إن خطورة هذه اللحظة لا تكمن فقط في الدمار المادي، بل في التحولات العميقة في وعي الجماهير. فعندما تُدار الحروب عبر خطاب تعبوي مغلق، وتتغذى على الخوف والكراهية، فإنها تترك آثارًا طويلة المدى تتجاوز نهاية المعارك. وهنا يصبح التحدي الحقيقي ليس فقط إيقاف الحرب، بل إعادة بناء الوعي العام على أسس عقلانية، تستعيد دور الفرد كمواطن لا كجزء من قطيع.
حيث تكون معركة الوعي، في كثير من الأحيان، أكثر حسماً من معركة الميدان.




