رأي

من الاستقلال إلى ١٥ أبريل ٢٠٢٣: لماذا لا يُبنى السودان إلّا بجيشٍ واحد ودستورِ تأسيس

د. أحمد التيجاني سيد أحمد

مدخل: صوتٌ يربط التجربة بالفكرة

أصاب عثمان فضل الله (المصدر: مجموعة مبادرة دارفور) حين التقط في خطاب ياسر عرمان جوهر اللحظة: ربطُ التجربة بالفكرة. ليست المسألةُ شعاراتٍ تُرفع، بل حصيلةُ عقودٍ من حربٍ وانقسامٍ تُفضي إلى استنتاجٍ عميق: لا دولةَ دون جيشٍ قوميٍّ مهنيٍّ واحد يحتكر القوّة، ولا انتقالَ دون عقدٍ سياسيٍّ جامع. هذا ما كتبناه وندافع عنه: جوهرُ مطلبِ القائد ياسر عرمان لم يتغيّر؛ قوّةٌ قوميةٌ مهنية تحمي الدولةَ والشعبَ بلا تهميش، وتُعيد بناء الشرعية على قاعدة المواطنة لا الغلبة.

خلاصة التجربة (١٩٥٦–٢٠٢٣): دولةٌ تتعثّر لأن سلاحها مُبعثر

منذ الاستقلال في ١٩٥٦، دار السودان في حلقةٍ مفرغة:
١) انقلاباتٌ وشمولياتٌ قطعت الطريق على السياسة الدستورية وتداول السلطة.
٢) تسييسُ المؤسسة العسكرية والأمنية وتحويلُها إلى أداةِ صراعٍ داخلي بدل صيانة السيادة.
٣) اقتصادُ حربٍ يُعيد إنتاج العنف عبر الامتيازات الريعية والتهريب وتجزئة الأسواق.
٤) تفقيرُ الهامش مقابل مركزٍ يراكِم السلطة والقرار.
٥) تهميشُ النساء والشباب رغم أنهم وقودُ الثورات وضميرُها.
بلغت هذه الحلقةُ ذروتها في حرب ١٥ أبريل ٢٠٢٣ التي كشفت أن التعدّد العسكري ليس تنوّعًا يحمي البلد، بل تشظٍّ يُفكّكُ الدولة ويقضم المجتمع.

معضلة تعدّد البندقية: دولةٌ بلا قرار

تعدّدُ التشكيلاتِ المسلّحة—جيشٌ مُسيَّس، مليشيات، قواتٌ موازية—يعني:
– ازدواجَ الشرعية وتضاربَ أوامر القوّة.
– تآكلَ الثقة العامة وانسحابَ المجتمع من التعاقد مع الدولة.
– اقتصادَ ظلٍّ يتغذّى على العنف ويقتلُ الإنتاج.
– سقوطَ العدالة الانتقالية لأن حَمَلتها ومخالفيها سواءً بسواء يحملون السلاح.
لذلك فالمعادلةُ واضحة: جيشٌ قوميٌّ واحد = دولةٌ واحدة ترعى كلّ أطياف الشعب السوداني؛ وكلُّ ما سواه إرجاءٌ للانهيار.

ما الذي نعنيه بجيشٍ قومي مهني واحد؟

١) الاحتكارُ الدستوري للقوة: تُحلّ جميعُ التشكيلاتِ المسلّحة أو تُدمج وفق قانونٍ واحد وزمنٍ محدّد وإشرافٍ مدنيٍّ مهني.
٢) عقيدةٌ قتاليةٌ وطنية: حمايةُ الدستور والحدود والمواطن، لا حزبًا أو قبيلة.
٣) حَوْكَمةُ التسلّح والميزانية: رقابةٌ برلمانية وقضائية وتدقيقٌ مستقل.
٤) مسارٌ مهنيٌّ للخدمة: ترقٍّ بالتأهيل والجدارة وتمثيلٌ عادلٌ للأقاليم والنوع الاجتماعي.
٥) إعادةُ دمجٍ وتسريحٌ (DDR) مصحوبةٌ بعملٍ ومعاشٍ وتعليم، وإلّا عادت البنادقُ باسمٍ جديد.

من السياسة إلى الدولة: ميثاقٌ ودستورُ تأسيس

الحلّ ليس في مَن يحكم اليوم أو غدًا، بل كيف نحكم:
– ميثاقُ تأسيسٍ يُعرّف الدولةَ باعتبارها دولةَ مواطنةٍ وحقوق، لا غلبةَ مجموعة.
– دستورٌ انتقاليٌّ تأسيسيٌّ يُقفل أبواب الشمولية ويُقنّن الاحتكار الدستوري للقوة، ويُعيد بناء السلطات على الفصل والرقابة المتبادلة.
– مؤتمرٌ تأسيسيٌّ شاملٌ يُعيد وصل الريف بالمدينة، ويجبرُ الضرر، ويُحدّثُ الاقتصاد، ويُصالح المجتمع على حقيقة التعدّد اللغوي والثقافي.
– عدالةٌ انتقاليةٌ فعّالة: لا انتقامَ ولا إفلات، بل كشفُ الحقيقة، وجبرُ الضرر، وإصلاحٌ مؤسّسي يمنعُ التكرار.

اقتصادُ السلام: من تمويل الحرب إلى تمويل الحياة

لن يصمدَ جيشٌ مهنيٌّ واحد دون اقتصادٍ منتِج. هنا يأتي دورُ ما اجترحناه في برامجنا للقطاع الزراعي (برنامجُ الـ١٠٠ يوم، وإطارُ الزراعة بعد الحرب):
١) تجفيفُ اقتصادِ الحرب (الذهب، التهريب، الريع المُسلّح) وإحالته للقانون والشفافية.
٢) إنعاشُ القطاع الزراعي—المحاصيل، الثروة الحيوانية، الأسماك، الغابات، الموارد الطبيعية، مواردُ المياه والري—سريعًا في مناطقِ العودة والنزوح بإجراءاتٍ قليلة الكلفة سريعة الأثر (مجتمعية محليّة، حصادُ مياه، مدخلاتٌ محسّنة، حمايةُ المحاصيل، تمويلٌ وتسويقٌ وابتكارُ سلاسلِ قيمةٍ مضافةٍ مناسبةٍ لكلّ إقليمٍ ومجتمع).
٣) سلاسلُ قيمةٍ ريفية للسمسم، الصمغ العربي، الكركدي، والثروة الحيوانية والمحاصيل البستانية والسمكية والغاباتية تربطُ المنتجَ بالأسواق وتمكّنُ النساءَ والشباب.
٤) حَوْكَمةُ الموارد عبر أقاليمَ وولاياتٍ منتِجة ومجالسَ محليةٍ منتخبة، لا مراكزَ احتكار.

النساءُ والشباب: من هامش المشاركة إلى مركز القرار

حقيقةُ ما بعد ديسمبر ٢٠١٨ أنّ النساءَ والشباب الذين حملوا الثورة صاروا أوّلَ المهمّشين، وظلّ تمثيلُهم أدنى من تضحياتهم. الإصلاحُ الجدّي يقتضي:
– كوتا انتقالية مُلزمة في السلطتين التنفيذية والتشريعية.
– تمكينًا اقتصاديًا مباشرًا بمشاريع التمويل الصغير وسلاسل القيمة الريفية.
– مقاعدَ ثابتةً لهم في مفوضيات العدالة والانتخابات والهيئات المستقلّة.

خارطةُ طريقٍ عملية (خطواتٌ قابلةٌ للتنفيذ)

١) بناءً على نقاشٍ ضافٍ لميثاقِ ودستورِ التأسيس: إعلانُ مبادئ يقرّ الاحتكارَ الدستوريَّ للقوّة ويحدّدُ جداولَ الدمجِ والحلّ.
٢) قانونُ إصلاحِ القطاع الأمني لتنظيم القيادة والميزانية والرقابة المدنية.
٣) مفوضيةُ DDR وطنيةٌ مستقلّة بتمويلٍ شفافٍ وشركاءَ دوليين.
٤) وقفٌ إنسانيّ للقتال مرتبطٌ بممرّاتٍ محميةٍ ورقابةٍ مستقلّة.
٥) برنامجُ ١٠٠ يومٍ إنقاذ و انعاش للمحاصيلِ الحقلية والبستانية وللغاباتِ والمياهِ والري حيث يعودُ الناسُ أوّلًا.
٦) مؤتمرٌ تأسيسيّ يُقرّ الدستورَ الانتقالي وخريطةَ الانتخابات.
٧) عدالةٌ انتقاليةٌ تبدأ بملفاتِ الجرائمِ الكبرى مع حمايةِ الشهود.
٨) مفوضياتٌ مستقلّة مبنيةٌ على أسسِ العدالةِ الانتقالية (انتخابات، مكافحةُ فساد، إعلامٌ عام) تُستكمَلُ قبل أيّ اقتراع.
٩) لامركزيةٌ مالية تُعيدُ للأقاليمِ والولاياتِ نصيبَها من الإيراداتِ والقرار.
١٠) شراكةٌ إقليميةٌ ذكيّة تُبقي السودانَ مستقلًّا في قراره، منفتحًا على مصالحٍ مشتركةٍ دون وصاية.

كلمةٌ سواء — دعوةٌ لتوحيد الصفّ المدني

تحالفُ تأسيسِ السودان بيتٌ مفتوحٌ للأفكارِ الملتزمةِ الحرّة؛ وهو ليس منفصلًا فكريًّا عمّا قدّمته «تقدّم» و«الصمود»، ولا عمّا خلّفه مفكّرون راحلون كالدكتور جون قرنق، أو متقاعدون بسبب المرض كالبروفيسور تيسير محمد أحمد، أو الواقفون على جمرةِ القضيّة كالدكتور عبد الله حمدوك وياسر عرمان، ولا عن نضالِ الأحرار أينما كانوا. هلا اجتمعنا على كلمةٍ سواء؟ ما الحافزُ أعظمُ من إفشالِ حربٍ عقائديّةٍ كيزانيّةٍ عنصريّة بدأت في ١٥ أبريل ٢٠٢٣، فشرّدت نحو ١٥ مليونًا بين لاجئٍ ونازح، وحرمت ١٧ مليون تلميذ/ة وطالب/ة من أصل ١٩ مليونًا من التعليم، وأفرغت العواصمَ من بنى الصحة والتعليم والخدمات، وتهدّد ٢٥ مليونًا بالمجاعة. وليعلم أهلُ السودان أنّ هذا «الفاقد» رُتِّب لصالح قوى خارجيّة، على رأسها المصالحُ المصريّة والطامعون في مشروعِ الحركةِ الإسلاميّة العالميّة. نحنُ اليوم أمام خيارٍ واحد: عقدٌ مدنيٌّ جامعٌ يُغلّبُ المواطنةَ والعدالةَ واللامركزيّة، ويُنهي تعدّدَ البندقيّة، ويُعيد تعريفَ الدولة على أساس جيشٍ قوميٍّ مهنيٍّ واحد ودستورِ تأسيسٍ يضمُّ الجميع. تعالوا إلى كلمةٍ سواء: لا غالبَ ولا مغلوب، بل وطنٌ يتّسعُ للجميع.

خاتمة: وطنٌ يُشبه الناس لا حكومة بورتكيزان

لا نبحثُ عن مديحٍ لفلانٍ ولا ذمٍّ لعلّان؛ نبحثُ عن وطنٍ ممكن. الأصواتُ الصادقةُ هنا خلاصةُ تجاربَ تقول إن السودان لا يُبنى بجيوشٍ متناحرةٍ ولا بشرعياتٍ متعدّدةٍ ولا بخطاباتٍ تُقسّم الناس إلى سيّدٍ ومسود. يُبنى بدستورٍ تأسيسي، بجيشٍ مهنيٍّ واحد، وباقتصادٍ يُموّل الحياة لا الحرب. هذا هو جوهرُ تحالفِ تأسيس السودان: أن نذهبَ أبعدَ من الاصطفافات، إلى عقدٍ جديدٍ يُنهي الحلقةَ المفرغةَ منذ ١٩٥٦، ويحوّل تضحياتِ السودانياتِ والسودانيين إلى دولةٍ عادلةٍ قابلةٍ للحياة.

نواصل ……

#سودان_التأسيس_للوحدة_والحرية_والتنمية

د. أحمد التيجاني سيد أحمد

عضو ومؤسِّس في تحالف تأسيس

٣ أكتوبر ٢٠٢٥ – روما، إيطاليا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!