رأي

ثلاثة أيام تكفي لفضح كل شيء

منال علي محمود

 

منال علي محمود

manal002002@gmail.com

في الثالث والعشرين من أغسطس 2024، وردت واقعة موثقة ضمن وثائق مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI)، في إطار قضية منظورة أمام القضاء. لم تكن تحليلاً سياسياً ولا تسريباً إعلامياً، بل نصاً واضحاً: ضابط في الجيش يطلب توريد خمسة ملايين طلقة خلال ثلاثة أيام كشرط عاجل.

هذه الواقعة، كما وردت في وثائق الـFBI، لا يمكن التعامل معها باعتبارها أمراً عابراً. الجيوش لا تُدار بمنطق الاستعجال عبر وسطاء، ولا تُبنى جاهزيتها على انتظار صفقات طارئة. حين يصل الأمر إلى هذا المستوى، فإن الخلل لا يكون في توفر الموارد فقط، بل في منظومة كاملة يُفترض أنها مسؤولة عن التخطيط والإمداد.

الأخطر من ذلك هو التناقض الصارخ بين هذه الوقائع وما يُطرح في الخطاب الرسمي. في الوقت الذي يُطلب فيه هذا النوع من الإمداد العاجل، يستمر الحديث عن السيطرة، وعن القدرة على الحسم، وعن قرب نهاية المعركة. هذا التباين لا يعكس اختلافاً في التقدير، بل يكشف فجوة حقيقية بين الواقع وما يُقدَّم للرأي العام.

إدارة الحروب تقوم على التخطيط المسبق، وسلاسل إمداد مستقرة، وقرارات تُتخذ داخل مؤسسات واضحة. وعندما تتحول صفقات السلاح إلى عمليات تُدار عبر قنوات غير رسمية، وبوساطة أطراف خارجية، وتمويل يتجنب المسارات المصرفية المعروفة، فإن ذلك يشير إلى خلل يتجاوز حدود الإجراء إلى طبيعة الإدارة نفسها.

قضية شميم مافي، كما تكشفها وثائق الـFBI، لا تتعلق فقط بمخالفة قانونية أو صفقة غير مشروعة، بل تقدم صورة أوسع عن كيفية إدارة ملف حساس بهذا الحجم خارج الأطر المؤسسية المعتادة. وهي بذلك تفتح باباً مشروعاً للتساؤل حول مدى قدرة هذه المنظومة على الاستمرار في ظل تعقيدات الحرب.

في النهاية، لا يتعلق الأمر بإدانة طرف أو تبرئة آخر، بل بقراءة واقع تشير إليه وثائق رسمية. واقع يقول إن الفجوة بين الخطاب والممارسة لم تعد قابلة للإخفاء، وإن استمرارها يحمل كلفة لا تُقاس فقط بنتائج المعارك، بل بمصير مؤسسة يفترض أنها تمثل عماد الدولة.

والسؤال الذي تفرضه هذه الوقائع يظل قائماً: هل يمكن لمنظومة تُدار بهذه الطريقة أن تصمد؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!