ضرورة “إعادة كتابة تاريخ السُّودان من جديد” لمعالجة خلل تزويره وفضح علل إختزاله
مهدي عبدالله حامد

مهدي عبدالله حامد
يُقال قديما “من ضلَّ عن تاريخه، تاه في دروب حاضره” وكما يوضح المثل السُّوداني الأصيل عمق الجذور بقوله “الما عنده قديم، ما عنده جديد” غير أن القديم الذي نعنيه هنا هو الحقيقة الناصعة لا الأساطير التي نُسجت حول فئة دون غيرها، ويا للعجب، لقد تم نفخ وتضخيم أدوار من لا دور لهم وتصويرهم كآباء مؤسسين، بينما تم ركن الثوار الحقيقيون والمفكرون زاوية الأهمال، فلقد أثبتت التجارب الإنسانية أن الأوطان التي تُبنى على روايات مضللة تظل رهينة لاهتزازات الهوية وصراعات الشرعية.
حيثُ أنَّ أزمة السودان الكبرى تكمن في ذلك “التزييف الممنهج” الذي جعل من تاريخنا الوطني حصيلة مختزلة صُبت في قوالب ضيقة تخدم أجندة الهيمنة الأحادية، إذ تم حصر البطولات في نطاق جغرافي وأسري محدود، بينما نُسيت تضحيات جسام بذلها أبناء السودان في كافة أصقاع البلاد، وهذا النهج أدى لبروز دوامة مفرغة من عدم الاستقرار، نتيجة شعور الغالبية بالإقصاء الوجداني قبل السياسي.
وعليه، لقد استوجبت الضرورة الوطنية اليوم أكثر من أي وقت مضى فتح كتاب تاريخ السودان بروح من النزاهة والأمانة والموضوعية، لان ما تم تقديمه زعما بأنه تاريخ السُّودان للأجيال المتعاقبة كان رواية مضللة وأحاجي مغايرة، غيبت عمدا أدوارا وطنية جليلة لمقاومين وثوار في الغرب والشرق والجنوب والشمال الأقصى وقد تعرضت مواقف هؤلاء العظماء لعمليات طمس ممنهجة، وتم ابتذال تضحياتهم لصالح تخليد أسماء لم تقدم للوطن ما يوازي حجم الهالة التي رسمت حولهم من مجد موهوم وبطولة مزعومة.
فلقد تفننت النخب في حصر تاريخ السودان في “النيل” كحيز جغرافي وحيد للبطولة، واختزال التاريخ في بيوتات تقليدية محدودة، حيث كان هذا الإجراء فعلا سياسيا مقصودا لتمهيد الطريق نحو هيمنة أحادية استمرت منذ فجر الاستقلال، فالتاريخ في جوهره هو “ذاكرة الأمة” وعندما يتم التلاعب بهذه الذاكرة، فإننا نخلق أجيالا فاقدة للثقة في ذاتها، ومنقسمة حول ولائها الوطني، مما يجعل الحل يبدأ بتفكيك هذه الرواية المشوهة.
فالخلل يكمن في أن الدولة السودانية استندت في شرعيتها الثقافية على مرويات إقصائية مما جعل “المواطنة” تعاني من تشوه بنيوي، ولعلاج هذه العلة، يجب طرح بديل وطني شامل، يتمثل في مشروع “الأرشفة الشاملة” حيث يتم جمع وتدوين نضالات كافة الشعوب السُّودانية والجهات دون تمييز ليرى كل سوداني نفسه في مرآة تاريخ بلاده وليدرك الجميع أن الاستقلال كان ثمرة عرق ودماء جاءت من كل فج عميق من البلاد.
وهنا، الضرورة تستدعي أن نقر بأنَّ الاستمرار في إنكار المظالم التاريخية هو الوقود الذي يشعل نيران المحارق الحروبات الهوياتية والتاريخية.
إذ أنَّ مراجعة التاريخ ضرورة وطنية إنسانية وسياسية وتاريخية واجتماعية فيجب أن نمتلك الشجاعة الكافية لاستدعاء كافة المواقف البطولية والتضحيات لجميع السودانيين والسودانيات دون تمييز لأجل إعادة الاعتبار للذين سقطوا من ذاكرة التدوين والتخليد بفعل فاعل لأن التاريخ الذي يُكتب بمكر الإقصاء لابد أن تعاد كتابته بمداد النزاهة والحقيقة.
وللأسف، هذا النهج التزييفي أدى إلى قيام دولة الصفوة التي ترى في السودان ضيعة خاصة بها متناسيةً أنَّ عظمة الأوطان تقاس بمدى قدرتها على استيعاب كل أبنائها تحت مظلة العدالة والمساواة.
ولذا، يجب علينا أن ندرك أن القوة الحقيقية للدول تكمن في تنوعها، والاعتراف بهذا التنوع يبدأ من الاعتراف بالمساهمة التاريخية لكل مكونات المجتمع، فالحكمة تقول “الصدق منجاة” و”الكذب ندامة” فالصدق مع التاريخ هو أولى خطوات التصالح مع الذات الوطنية، ويكون ذلك بتقديم الرواية الرسمية الواحدة والحقيقية بدلا عن”الروايات المتعددة” الكاذبة لصالح أصحاب الغرض والمرض.
فنحن، الآن بحاجةٍ إلى “نهضة وعي” تتجاوز العصبية الجهوية والقبلية، وتنظر إلى الإنسان السوداني بصفته القيمة الأسمى، وإنَّ الذين حُجبت مواقفهم الوطنية، هم في الحقيقة الأعمدة التي يستند إليها سقف الوطن، وبدون الاعتراف بهم سيبقى السقف مهددا بالسقوط في أي لحظة، وكما إنَّ الوفاء للدماء التي سالت يتطلب منا قول الحقيقة مهما كانت مرة، فالجرح الذي لا يُنظف من القيح لا يندمل أبدا، وانما يظل ينزف حتى ينهك الجسد كله
وهنا، الواجب يتطلب تأسيس “مفوضية وطنية للحقيقة والتاريخ” مهمتها تنقية السجلات من الشوائب، وفتح المجال للباحثين والمؤرخين لاستكشاف المسكوت عنه، وكما يجب أن تتضمن المناهج التعليمية سير الأبطال من كل فجٍ عميق في السودان، ليرى الطفل في دارفور والشرق والنيل الأزرق نفسه شريكا في صنع هذا المجد، وأي قفز على هذا الوضع فإنَّ البديل سيكون التفتت والتشظي، فالوعي لم يعد حبيس الغرف المغلقة، ولكنه أصبح سلاحا في يد كل من يبحث عن كرامته المهدورة في بطون الكتب المزورة.
إنَّ دروس الماضي المؤلمة علمتنا أنَّ الظلم التاريخي هو الرحم الذي ولدت منه كل النكبات، لذا، فإننا نعلن أنَّ إعادة كتابة التاريخ هي فعل تحررٍ وطني، وجسر عبورٍ نحو مستقبلٍ يسوده التصالح مع الذات، وليكن الحاضر منارةً للاستقامة، والمستقبل ساحةً للبناء القائم على الصدق، فإنَّ السودان الذي نحلم به هو السودان الذي يقرأ فيه كل مواطنٍ اسمه في سجل الخلود، ويشعر فيه كل بطلٍ منسيٍ بأنَّ حقه قد عاد، وأنَّ ذكره قد تخلد في وجدان الأمة إلى الأبد، فهذه هي وصيتنا للأجيال، وهذا هو عهدنا للوطن، والله من وراء القصد.




