
الصادق المأمون (كجيرة)
المشتركة سيلحق بها مصير (داؤود يحي بولاد)، إبن الحركة الإسلامية المخلص الذي اكتشف مبكراً عنصرية إسلاموي السودان، فالتحق بالكفاح المسلح رفقة الحركة الشعبية بقيادة د. جون قرنق في العام 1991م، لكن الحركة الإسلامية التي نشأ في كنفها لم تتردد في التخلّص منه، فأكلته بغدرها المعروف، في واحدة من أبشع صور الخيانة السياسية التي ظل هذا التنظيم يمارسها ضد أبنائه قبل خصومه.
الشهيد موسى حمدين، زعيم حركة شهامة، وهو أيضاً من أبناء الحركة الإسلامية، تمرد ضد عنصرية وظلم الحركة الإسلامية لأهله في غرب كردفان، فكان مصيره مشابهاً، حيث امتصت دماءه هذه “القطة” التي تأكل أبناءها، في مشهد يتكرر بلا توقف، وكأن التاريخ يعيد نفسه دون أن يتعلم أحد من دروسه القاسية.
أما د. خليل إبراهيم، فقد مضى في ذات الطريق، وقاد عملية “الذراع الطويل” في محاولة لتغيير النظام في الخرطوم، لكنه هو الآخر لم يسلم من آلة التنظيم الإرهابي الذي تربى داخله، فتم اغتياله في سياق يؤكد أن هذا التنظيم لا يتورع عن تصفية حتى أقرب الناس إليه عندما تختلف المصالح أو تتبدل المواقف.
وعندما دخلت قوات العدل والمساواة إلى أم درمان، لم تُعامل كحركة متمردة على السلطة، بل تم استهداف أبناء السودان وفق قانون “الوجوه الغريبة” الذي سنّه هذا التنظيم، في ممارسة كشفت بوضوح البعد العنصري الذي يحكم سلوكياته وخياراته.
هذه ليست مجرد وقائع عابرة، بل مواعظ وعبر من التاريخ، لكنها لا تُدرك إلا لمن أنار الله بصيرته، أما من أعمت السلطة عينيه فلن يرى إلا ما يريد أن يراه. اليوم يتكرر ذات المشهد، أبطاله معروفون وضحاياه أيضاً، والسؤال الكبير: هل ستتعظ القوى الجديدة من هذه التجارب أم ستسير في ذات الطريق؟
لقد تنبّه الدعم السريع إلى هذا التفكير الهادم للوحدة الوطنية، واجتهد في طرح معادلة مدنية جديدة تجمع السودانيين على أسس مختلفة، فكان ميلاد “تحالف تأسيس” الذي جمع الحركة الشعبية شمال وحزب الأمة القومي. ورغم أن الحركة الإسلامية استخدمت كل أدواتها لشق الصف بين هذين المكونين، مرة باسم العروبة وأخرى باسم الإسلام، إلا أن هذه المحاولات لم تنجح في النهاية.
الآن يبرز التحدي الحقيقي: هل هذا التحالف قادر على تحجيم نفوذ الحركة الإسلامية، وإدماج عناصرها وفق مبادئه، أم أن هذه العناصر ستنجح في التلون كمنهج استراتيجي وخداع الجميع؟ وهل من الحكمة وضعها في الواجهة تحت أي مبرر، أم أن المصلحة الوطنية تقتضي مساراً مختلفاً؟
إن مسيرة التأسيس لا تقبل المجاملة، لأن الثمن وطن.




