
محمد تاج الدين الحلو
تابعت لقاء فارس النور عبر إحدى القنوات الفضائية، والحقيقة أن الرجل حاول أن يظهر نفسه في صورة مثالية، بمعنى أنه كان ضد الممارسات السالبة والانتهاكات، وكأنه يقف في الجانب الصحيح من القصة منذ البداية. لكن هذه محاولة لتبييض المواقف لا أكثر، لأن حتى الدعم السريع نفسه أقرّ بوجود انتهاكات من المتفلتين، وعلى هذا الأساس تم تشكيل قوات لمكافحة المظاهر السالبة.
أما حديثه عن أبو لولو، فهو متاجرة رخيصة ومكشوفة، لأن كل تأسيس وقيادات الدعم السريع أدانوا جرائم أبو لولو وطالبوا باعتقاله وتقديمه للمحاكمة، بل إن لجنة تحقيق جرائم الفاشر برئاسة مولانا الحلا باشرت التحقيق معه وتم التحفظ عليه إلى حين محاكمته. لذلك فإن محاولة فارس النور تصوير نفسه كأنه صاحب موقف أخلاقي متقدم في هذه القضية لا تستند إلى شيء، لأنه ببساطة لا دور له في ذلك، لا من قريب ولا من بعيد.
الحقيقة التي يعرفها كل من عمل مع فارس النور، أن قربه من قيادات الدعم السريع لم يكن يومًا بدافع المبدأ ولا من أجل قضية عامة، بل كان جزءًا من سعيه لتحقيق مكاسب شخصية. كان يجيد التملق والتودد للقيادة، ويقدم نفسه في صورة الابن البار، ولأن القائد حميدتي شخص نقي السريرة ويتعامل مع الناس بحسن نية، فقد كان يعامله باعتباره واحدًا من أبناء السودان المؤمنين بالتغيير، بينما كان الرجل في الحقيقة مجرد شخص يتخفى بثوب الوطنية ويستخدم هذا القرب لتحقيق مصالحه الخاصة.
حتى القائد حميدتي نفسه، وخلال خطاب جماهيري، تحدث عن مطالبة فارس النور بصفته عضوًا في وفد التفاوض بإصدار بيان يضع الحقائق أمام السودانيين، لكنه تخاذل عن ذلك واختار الصمت، لا حرصًا على الحقيقة ولا احترامًا للرأي العام، وإنما إرضاءً للجهات التي تملك قراره وتحدد له متى يتكلم ومتى يصمت.
المشكلة ليست فقط في أن فارس النور يحاول اليوم أن يعيد تقديم نفسه كصاحب موقف أخلاقي، وإنما في أنه يريد أن يمحو تاريخه القريب، وأن يقفز فوق الوقائع، وأن يتحدث بلغة الواعظ بينما هو جزء من الأزمة نفسها. والذي يتحدث عن الأخلاق ليس من حقه أن يفعل ذلك إذا كان قد باع موقفه، وبدّل مواقفه بحسب المصلحة، واقترب من القيادات حين كانت المصلحة في القرب، ثم حاول أن يتبرأ عندما تغيّرت الحسابات.
نحن ماضون في مشروع التغيير والسودان الجديد، ولن تثنينا مواقف أشباه الرجال الذين تصدروا المشهد السياسي عبر التمثيليات والإنسانية الكذوب. هذا المشروع لم يُبنَ بالكلام الفارغ ولا بالمزايدات، بل بدماء طاهرة وتضحيات كبيرة، وقدم فيه الناس ما هو أغلى من المناصب والمكاسب. ولذلك فإن من خان هذا المشروع، أو حاول أن يتاجر به، أو أن يلبس ثوب البطولة بعد أن كان جزءًا من الخذلان، لا يملك أي حق أخلاقي في الحديث باسم التغيير أو باسم الثوابت.
الذي يبيع الصمغ العربي في ميناء دوالا الكاميروني ويقبض الثمن، ليس مؤهلًا للحديث عن الأخلاق ولا عن الوطنية ولا عن الثوابت. لأن الأخلاق لا تُقاس بما يقوله الإنسان أمام الكاميرات، وإنما بما يفعله حين يكون قريبًا من القرار، وحين يُطلب منه أن يقول الحقيقة فيتراجع، أو أن ينحاز للمشروع فيبيعه عند أول منعطف.
ولهذا فإن ما يفعله فارس النور اليوم ليس مراجعة، وليس كشفًا للحقائق، وليس انحيازًا للضحايا كما يحاول أن يظهر، وإنما هو مجرد محاولة متأخرة لتبييض مواقفه، والتنصل من أدواره، وتقديم نفسه في ثوب جديد. لكن الوقائع لا تُمحى، والناس تعرف، ومن عاشوا التفاصيل يعرفون أكثر من غيرهم من كان مع المشروع، ومن كان يتعيش عليه، ومن خانه في اللحظة التي احتاجه فيها .
محمد تاج الدين الحلو




