رأي

فهد الرشيدي ومرافعة الهامش الكبرى

حسن عثمان حسن

 

حسن عثمان حسن  

في الأزمنة المضطربة لا تُقاس قيمة المثقف بما يملكه من معرفة فحسب، وإنما بقدرته على الانحياز إلى الحقيقة حين تصبح مكلفة، وعلى الوقوف إلى جانب الناس حين تتراجع المؤسسات عن أداء أدوارها. وفي السودان الذي ظل لعقود طويلة أسيرًا لمعادلات المركز وهيمنته السياسية والاقتصادية والثقافية، برزت نماذج قليلة اختارت أن تجعل من الكلمة أداة للمقاومة ومن الوعي وسيلة لتفكيك البنى القديمة التي أنتجت التهميش والحرمان وعدم المساواة. ومن بين هذه النماذج يبرز فهد سعد الرشيدي بوصفه أحد الأصوات التي ارتبط حضورها بقضايا الهامش والدفاع عن حقوق المجتمعات التي ظلت خارج دائرة الاهتمام الرسمي.

لم يقدّم الرشيدي نفسه بوصفه معارضًا عابرًا أو معلقًا على الأحداث من مسافة آمنة، بل اختار موقعًا أكثر صعوبة وتعقيدًا؛ موقع المثقف العضوي الذي يتفاعل مع قضايا مجتمعه بصورة يومية، ويعتبر أن المعرفة لا تكتمل إلا حين تتحول إلى فعل اجتماعي وسياسي يسهم في تغيير الواقع. ولذلك ارتبط خطابه دائمًا بأسئلة العدالة والمواطنة المتساوية وتوزيع السلطة والثروة، وهي القضايا التي ظلت تشكل جوهر الأزمة السودانية منذ تأسيس الدولة الحديثة.

لقد أدرك مبكرًا أن أزمة السودان ليست مجرد صراع سياسي على السلطة، وإنما أزمة بنيوية عميقة نتجت عن سيطرة مركز احتكر القرار والثروة وأعاد إنتاج نفسه عبر آليات متعددة، بينما تُركت الأقاليم البعيدة تواجه الفقر والتهميش وضعف الخدمات وانعدام فرص التنمية. ومن هذا الفهم انطلق في نقده المتواصل لسياسات الدولة المركزية التي ورثت كثيرًا من أدوات الإدارة الاستعمارية وأبقت على علاقات غير متوازنة بين المركز والأطراف.

ما يميز تجربة الرشيدي أنه لم يتعامل مع قضايا الهامش باعتبارها شعارات سياسية للاستهلاك الإعلامي، بل بوصفها قضية إنسانية وأخلاقية تتعلق بكرامة المواطنين وحقهم في المشاركة وصناعة مستقبلهم. لذلك ظل حاضرًا في النقاشات العامة مدافعًا عن حق المجتمعات المهمشة في التعبير عن نفسها وفي امتلاك صوتها السياسي والثقافي بعيدًا عن الوصاية والإقصاء.

وعلى امتداد سنوات الحرب والأزمات المتلاحقة، حافظ على خط نقدي واضح تجاه السياسات التي رأى أنها تسهم في تعميق الانقسامات وإطالة أمد المعاناة. كما واصل فضح الاختلالات البنيوية التي كرستها الدولة المركزية، مؤكدًا أن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا عبر مشروع وطني جديد يعترف بالتنوع ويعيد توزيع الفرص والموارد بصورة عادلة بين جميع السودانيين.

إن أهمية فهد سعد الرشيدي لا تكمن فقط في حضوره الإعلامي أو تأثيره الجماهيري، بل في كونه يمثل نموذجًا للمثقف الذي يربط المعرفة بالفعل، والفكرة بالموقف، والكلمة بالمسؤولية. وهو بذلك يجسد تقليدًا نادرًا في الحياة العامة السودانية؛ تقليد المثقف الذي لا يكتفي بوصف الواقع، بل يسعى إلى تغييره، ولا يكتفي بتشخيص الأزمة، بل يشارك في صناعة الوعي القادر على تجاوزها.

وفي بلد ما يزال يبحث عن طريقه نحو العدالة والسلام، تبقى مثل هذه النماذج ضرورية، لأنها تذكر الناس بأن التغيير يبدأ دائمًا من الوعي، وأن الكلمة حين تقترن بالموقف يمكن أن تصبح قوة فاعلة في صناعة التاريخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!