
عبدالعزيز بخات المحامي
ليست كل الأوطان تموت حين تسقط عاصمتها أو تُحتل أراضيها. هناك أوطان تموت بطريقة أكثر قسوة؛ تموت عندما يصبح الموت خبراً عادياً، وعندما تتحول المأساة إلى روتين يومي، وعندما يفقد الناس قدرتهم على الدهشة أمام حجم الخراب. وهذا هو الخطر الأكبر الذي يواجه السودان اليوم.
فالسودان لا ينزف من جرح واحد، بل من آلاف الجراح المفتوحة. لا تقتله رصاصة منفردة ولا قذيفة عابرة، وإنما تقتله حرب طويلة تستنزف الإنسان والأرض والذاكرة والمعنى. حرب لا تكتفي بإزهاق الأرواح، بل تمتد لتلتهم الأحلام وتبدد المستقبل وتحوّل الحياة نفسها إلى معركة يومية من أجل البقاء.
لقد تجاوزت الكارثة حدود الصراع العسكري منذ زمن. فما يجري اليوم هو انهيار شامل يطال تفاصيل الوجود الإنساني كله. مدن كانت تضج بالحياة تحولت إلى أطلال، وقرى كانت تنبض بالإنتاج غدت خرائط مهجورة، وأسواق كانت تجمع الناس على اختلاف انتماءاتهم أصبحت شاهداً صامتاً على الفقد والغياب.
وفي خضم هذا المشهد الموجع، لا يموت الأفراد وحدهم، بل تموت معهم قصص كاملة. يموت الطبيب وهو يحاول إنقاذ حياة الآخرين. يموت المعلم قبل أن يكمل رسالته. يموت المزارع قبل أن يحصد ثمرة تعبه. يموت الطالب قبل أن يكتب الفصل الأول من مستقبله. وتموت الأمهات ألف مرة وهن ينتظرن أبناءً خرجوا ولم يعودوا.
غير أن الموت الأكثر قسوة ليس موت الجسد، بل موت الإحساس. حين يسمع الناس عن المجازر فلا يهتز فيهم شيء، وحين يرون صور النزوح والجوع والدمار فلا يملكون سوى الصمت. عندها لا تكون الحرب قد حصدت الأرواح فحسب، بل تكون قد بدأت تلتهم إنسانية المجتمع نفسها.
إن السؤال الحقيقي لم يعد: من انتصر ومن هُزم؟ بل أصبح: ماذا تبقى من السودان بعد كل هذا الخراب؟
ماذا يعني الوطن لطفل لم يعرف سوى أصوات الرصاص؟ وماذا يعني المستقبل لشاب لم يرَ في حياته سوى المخيمات والنزوح واللجوء؟ وكيف يمكن لجيل كامل أن يؤمن بالغد وهو يكبر وسط مشاهد الخوف والجوع والانهيار؟
لقد أصبح ملايين السودانيين موزعين بين النزوح واللجوء والتشرد، وتحولت الجغرافيا التي كانت تجمعهم إلى مسافات من الفقد والحنين. ولم يعد الانهيار اقتصادياً أو أمنياً فحسب، بل صار أزمة وجود تهدد فكرة الوطن ذاتها.
فالأوطان لا تنهار فقط عندما تخسر حروبها، وإنما عندما يفقد أبناؤها الثقة في المستقبل. وعندما يكبر الأطفال وهم يعتقدون أن الخوف قانون، وأن النزوح قدر، وأن الموت جزء طبيعي من الحياة، فإن الخسارة تصبح أكبر من أي رقم في قوائم الضحايا.
ومع ذلك، فإن السودان لم يمت بعد.
لم يمت لأن أمّاً ما تزال تشعل نار الطهي لأطفالها داخل خيمة نزوح. ولم يمت لأن طبيباً ما يزال يقاوم نقص الدواء والإمكانات لينقذ مريضاً. ولم يمت لأن مزارعاً ما يزال يحرث أرضه رغم أصوات المدافع. ولم يمت لأن ملايين السودانيين ما زالوا يحملون في أعماقهم أملاً عنيداً يرفض الاستسلام.
لكن الأمل وحده لا يكفي إذا استمرت الحرب في التهام ما تبقى من الوطن.
لقد آن الأوان لأن يدرك الجميع حقيقة بسيطة لكنها حاسمة: لا يوجد منتصر في وطنٍ يحترق. لا قيمة لأي مكسب سياسي أو عسكري إذا كان ثمنه ضياع أمة بأكملها. فلا البنادق تبني المدارس، ولا المدافع تعالج المرضى، ولا المتاريس تزرع الحقول، ولا الحروب تصنع مستقبلاً يستحقه الأطفال.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من أدوات القتال، بل يحتاج إلى مشروع للحياة. يحتاج إلى السلام بوصفه ضرورة وطنية وأخلاقية وإنسانية. يحتاج إلى استعادة الإنسان قبل استعادة الجغرافيا، وإلى حماية المستقبل قبل حسابات السياسة.
وإذا استمر هذا النزيف بلا نهاية، فقد يأتي يوم يقف فيه جيل كامل أمام أنقاض وطن كان يوماً من أجمل أوطان أفريقيا، لا ليسأل كيف سقط، بل ليسأل لماذا تُرك يموت على مرأى ومسمع من العالم.
وعندها لن تكون المأساة في عدد القتلى أو حجم الدمار، بل في أن أمة كاملة كانت تستحق الحياة تُركت تواجه مصيرها وحدها.
فلا تجعلوا السوداني الأخير يقف وحيداً بين الركام، يكتب شهادة وفاة وطن، بينما يوقّع العالم على ذلك النعي بالصمت.




