البروفيسور شمسون خميس: حين يلتقي التكريم العالمي بذاكرة المكان جبال النوبة بوصفها معرفة للسلام لا هامشًا له
بروفيسور خالد كودي ،، بوسطن

بروفيسور خالد كودي، بوسطن
تكريم البروفيسور شمسون خميس كافي في القمة العالمية الثانية لبناء السلام للشعوب الأصلية، المنعقدة في نيويورك في 25–26 أبريل 2026، ليس حدثًا عابرًا في سجل الجوائز الدولية، بل كان لحظة دلالية عميقة تكشف عن تحوّل في بنية الاعتراف العالمي: من مركزية الدولة إلى مركزية الشعوب، ومن السلام بوصفه “اتفاقًا سياسيًا” وحسب إلى السلام بوصفه معرفة متجذّرة في الأرض والذاكرة.
اولا
هذا التكريم، الذي منحه التحالف العالمي للشعوب الأصلية والعدالة الجندرية والسلام وشركاؤه، لم يأتِ فقط تقديرًا لمسيرة فردية، بل اعترافًا بموقع جبال النوبة في الخريطة الأخلاقية للعالم، بوصفها إحدى أكثر الجغرافيات التي أنتجت معرفة معقّدة عن البقاء، الصمود، وإعادة تعريف السلام تحت شروط العنف البنيوي.
وُلد البروفيسور شمسون خميس كافي في 1 يناير 1957 بمدينة كيقا الخيل في جبال النوبة، وهي منطقة لم تكن يومًا مجرد فضاء جغرافي، بل كانت تاريخيًا موقعًا للصراع بين المركز والهامش، بين الدولة المفروضة والمجتمع المتجذّر.
تخرّج في كلية الطب بجامعة الخرطوم عام 1984، في لحظة كان التعليم العالي في السودان لا يزال يعكس بنية مركزية إقصائية. ومع ذلك، عاد إلى الهامش لا بوصفه “ابنًا ناجحًا غادر”، بل بوصفه فاعلًا أعاد توطين المعرفة في سياقها المحلي
شغل منصب مدير جامعة الدلنج، وهي مؤسسة تقع في قلب التماس بين الحرب والحياة، وأسهم في إعادة تعريف الجامعة لا كمؤسسة تعليمية فقط، بل كفضاء للمقاومة الثقافية وإنتاج المعرفة من داخل المجتمع. درس الاف الطلاب والطالبات علي يدية، كما شارك كممتحن خارجي في كليات الطب، وكان فاعلًا رئيسيا في المجال الثقافي السوداني، من خلال رئاسته للجنة العليا للمهرجان الثقافي لتراث جبال النوبة استطاع بعلمه وحنكته ومثابرته ان يبقي علي شعلة ثقافة وتراث جبال النوبة حاضرة رغم التقلبات السياسية .
ثانيا
تستند شبكة بناة السلام للشعوب الأصلية إلى تصور مختلف جذريًا عن السلام. فهي لا ترى السلام كمجرد غياب للحرب، بل كحالة من التوازن بين الإنسان، المجتمع، والطبيعة. هذا الفهم يلتقي مع ما يسميه الفيلسوف بول ريكور “العدالة المتجسدة في الذاكرة”، حيث لا يمكن بناء سلام دون الاعتراف بالذاكرة التاريخية للضحايا.
من هنا، فإن تكريم البروفيسور شمسون كـاحد “حماة الناس والسلام والكوكب” يعكس ثلاثة مستويات مترابطة:
١/ حماية الناس: أي الدفاع عن المجتمعات الأصيلة من الإقصاء، التهجير، والعنف البنيوي
٢/ السلام: بوصفه عملية اجتماعية طويلة، لا اتفاقًا سياسيًا مؤقتًا وحسب
٣/ حماية الكوكب: وهو بُعد جوهري في فكر الشعوب الأصلية، حيث لا تنفصل العدالة البيئية عن العدالة الاجتماعية
Environmental Peacebuildingوهذا يتقاطع مع أدبيات السلام البيئي
التي ترى أن المجتمعات التي تحافظ على توازنها مع الطبيعة تمتلك نماذج بديلة للعيش المشترك
ثالثًا: جبال النوبة – من موضوع للسلام إلى منتج له
لطالما صُوّرت جبال النوبة في الخطاب الدولي كمنطقة “نزاع” تحتاج إلى تدخل خارجي. لكن المشاركة في هذه القمة، و تكريم احد أبناء جبال النوبة يعكس تحولًا مهمًا: الاعتراف بأن هذه المنطقة ليست فقط ضحية، بل منتج للمعرفة حول السلام
في جبال النوبة:
– تتعايش مئات المجموعات الثقافية واللغوية
– تتداخل أنظمة الحكم التقليدي مع أشكال حديثة من التنظيم
– تُمارس أشكال محلية من الوساطة وحل النزاعات خارج الدولة
Grassroots Peacebuilding – هذه الممارسات تمثل ما يسميه الباحثون “السلام القاعدي”
حيث ينبع الاستقرار من المجتمع نفسه، لا من اتفاقيات مفروضة من أعلى.
إن تجربة جبال النوبة تُظهر أن السلام ليس غياب العنف فقط، بل قدرة المجتمع على إعادة إنتاج نفسه رغم العنف.
رابعًا: حضور الوفد –فعلًا منظّمًا
جاء هذا التكريم في سياق مشاركة فاعلة ومنظمة لوفد رفيع من مجتمع جبال النوبة، قادها وأدارها عن بُعد بكفاءة عالية الدكتور جمعة كندة، في نموذج يعكس القدرة على التنسيق العابر للحدود رغم تعقيدات الجغرافيا والسياسة.
تسلّم الأستاذ جمال جانقي، رئيس الرابطة العالمية لجبال النوبة في الولايات المتحدة، شهادة التكريم نيابة عن البروفيسور شمسون خميس كافي، وقدم كلمة رسمية عبّر فيها عن الامتنان والتقدير باسم المُكرَّم ومجتمعه. كما شارك في الفعالية كل من الأستاذة لينا كوكو والأستاذ أنور شوكو، حيث قدّما أوراقًا ومداخلات عكست أولويات وتوصيات مجتمع جبال النوبة، إلى جانب حضور فاعلين من الجالية النوبية في الولايات المتحدة.
وقد تكوّن الوفد الرسمي من:
Jamal Ganaga, Mohamed Komi, Lena Koko
Anwar Shoko, Anwar Shoko, Kalo Kindeel, Abdalla Ismail, Bashir Kowati
لا يمكن اختزال هذا الحضور في بعده الرمزي أو التمثيلي، بل ينبغي قراءته بوصفه فعلًا تاريخيا ومعرفيًا مركّبًا، تجلّى في ثلاث مستويات أساسية:
– إدخال الهامش في فضاء جديد: عبر نقل قضايا الشعوب الاصيلة من موقع التهميش إلى ساحة الاعتراف الدولي عبر الية شعبية.
– تحويل التجربة المحلية إلى خطاب عالمي: من خلال تأطير معاناة المجتمع وخبراته ضمن لغة حقوقية، معرفية وتاريخية قابلة للتداول عالميًا.
– بناء تحالفات عابرة للحدود: عبر الانخراط في شبكة الشعوب الأصلية، بما يفتح أفقًا لتضامن عالمي يتجاوز الدولة القومية.
في هذا المعنى، يتقاطع هذا الحضور مع مفهوم “الكتلة التاريخية” عند أنطونيو غرامشي، ولكن في امتداده العابر للقوميات: أي تشكّل تحالفات بين قوى اصيلة ومهمّشة عالميًا، تسعى إلى تغيير موازين القوة، وإنتاج نظام معرفي جديد يعيد تعريف مفاهيم العدالة، والسيادة، والسلام.
خامسًا: الأمهات، التشافي، والسياسة الجديدة للسلام
أحد أبرز مخرجات القمة كان إطلاق أول مسيرة عالمية لأمهات الشعوب الأصلية من أجل السلام والتشافي والوحدة. وهذه ليست مبادرة رمزية، بل تعبير عن إعادة تموضع للمرأة في قلب مشروع السلام.
في السياق السوداني، وخاصة في جبال النوبة، لعبت النساء دورًا محوريًا في:
– الحفاظ على النسيج الاجتماعي أثناء الثورة
– نقل الذاكرة الثقافية عبر الأجيال
– إدارة الحياة اليومية في ظل غياب الدولة
وهذا يلتقي مع أدبيات النسوية ما بعد الاستعمار، التي ترى أن النساء في المجتمعات المهمشة لا يشاركن في السلام وحسب، بل يُعدن تعريفه.
سادسًا: قراءة مستقبلية – نحو إعادة تأسيس مفهوم الدولة
هذا التكريم يفتح سؤالًا أعمق: ماذا يعني أن يُعترف بشخصية من جبال النوبة كفاعل عالمي في بناء السلام؟
الإجابة تكمن في أن العالم بدأ—ولو ببطء—في الاعتراف بأن النماذج التقليدية للدولة، التي فشلت في السودان لعقود، لا يمكن إصلاحها من الداخل فقط، بل تحتاج إلى إعادة تخيل ينطلق من:
– الاعتراف بالشعوب الأصلية كفاعل سياسي
– تبنّي الرؤي والمفاهيم التي تضمن المواطنة وتحمي الحقوق، وللتعدد
– حماية حقوق الشعوب الاصيلة في الأرض والثروة وإعادة التجاوزات الي نصابها.
– بناء مؤسسات تعكس التنوع الحقيقي للمجتمع في أي دولة.
اخيرا: حين يصبح الهامش مركزًا
تكريم البروفيسور شمسون خميس كافي ليس تكريمًا لشخص فقط، بل اعترافًا بتاريخ طويل من عطاءه وصمود مجتمعه.
إنه اعتراف بأن جبال النوبة، التي طالما وُضعت في هامش الخرائط السياسية، قد أصبحت اليوم في قلب النقاش العالمي حول مستقبل السلام.
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)




