رأي

نخب المركز وإرث فرق تسد قراءة في تفكيك المجتمعات السودانية من الإنجليز إلى الإسلاميين

ادهم الضهيب

 

ادهم الضهيب 

​تاريخ السياسة السودانية ليس مجرد صراع على الكراسي، بل هو صراع عميق حول بنية المجتمع وكيفية إخضاعه. ما نشهده اليوم من محاولات لجر القبائل إلى أتون الحرب الحالية، ليس إلا فصلاً جديداً من كتاب قديم وضعه المستعمر الإنجليزي، وطورته “نخب المركز” عبر العقود، وصولاً إلى نظام الإنقاذ الذي جعل من “تفكيك النسيج الاجتماعي” استراتيجية بقاء.

​استراتيجية “تكسير القوى”: من الإنجليز إلى الجبهة الإسلامية

​لقد اعتمد الإنجليز سابقاً سياسة واضحة لكسر شوكة المجتمعات الصاعدة التي تمتلك استقلالاً اقتصادياً أو قراراً سيادياً. وخير مثال على ذلك ما تعرضت له قبيلة “بني هلبا”، التي وُصفت بـ “قبيلة الاقتصاد”. عندما أبدت قيادتها وعياً سياسياً ورفضت الانجرار خلف صراعات المركز، واجهت سياسات “التجريد من المال” والإفقار الممنهج لكسر إرادتها وإخضاعها.

​هذا “الكتالوج” الاستعماري هو ذاته الذي نهلت منه الجبهة الإسلامية (الإنقاذ)، لكنها تفوقت على التلميذ في خبث الوسائل. فعملت على:

​خلق الشروخ الداخلية: لم تكتفِ بضرب قبيلة بأخرى، بل سعت لتقسيم القبيلة الواحدة من الداخل.

​استهداف الكيانات الصلبة: ما حدث مع قبيلة الزغاوة عندما تصدى أبناؤها لمركزية السلطة، وما حدث من محاولات تفكيك ممنهجة لكيان الرزيقات وقبائل أخرى، يكشف عن رغبة المركز في تحويل هذه القوى الاجتماعية إلى “وقود حرب” فقط، بدلاً من أن يكونوا “شركاء وطن”.

​وعي المجتمعات: الصخرة التي تتكسر عليها الفتن

​رغم المحاولات المستمرة لجر قبائل مثل الرزيقات وغيرها إلى صراعات بينية أو حروب “بالوكالة”، إلا أن وعي أبناء هذه الكيانات كان هو الحصن المنيع. لقد أدركت هذه المجتمعات أن نخب الخرطوم المركزية لا ترى فيهم سوى أدوات للسيطرة، وأن “تفتيت القوى الصاعدة” هو الهدف الأول لاستمرار هيمنة المركز القديم.

​”إن مشروع التغيير الحالي يتجاوز مفاهيم القبيلة و’خشم البيت’ التي يحاول المركز حبس السودانيين داخلها.

​يجب على دعاة الحرب في بورسودان ومن خلفهم نخب المركز أن يدركوا حقيقة كبرى: إن مشروع التأسيس الذي يتبلور اليوم، والذي يقوده الفريق أول محمد حمدان دقلو والجنرال عبد العزيز الحلو، ليس مشروعاً قبلياً أو عشائرياً كما يروج إعلام المركز لتخويف الناس.

​لماذا يرتعب المركز من هذا التحالف انه يطرح

​دولة المواطنة: لأنه يطرح مشروع الدولة التي تسع الجميع، وليس “غنيمة” تتقاسمها نخب الخرطوم.

​

اللقاء بين قوى الكفاح المسلح والقوى الصاعدة يمثل كتلة حرجة تنهي زمن “التلاعب بالقبائل”.

​العدالة الاجتماعية: المشروع يخاطب جذور الأزمة السودانية (التهميش، توزيع الثروة، الهوية)، وهي الملفات التي ظل المركز يهرب منها بإشعال الحروب القبلية.

​إن محاولات نخب المركز إعادة إنتاج سياسة الإنجليز في “تكسير المجتمعات” باتت مكشوفة. الوعي السوداني اليوم، خاصة في المناطق التي عانت من التهميش، أصبح يفرق جيداً بين “الصراع من أجل السلطة” وبين “النضال من أجل بناء دولة”. إن مشروع التغيير القادم لن يهدم قبيلة، بل سيهدم “نظام الامتيازات التاريخية” ليبني مكانه وطناً يحترم الجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!