
صديق اندر
لقد شهدت الساحة السياسية مؤخرًا اجتماعًا للهيئة القيادية لـ “تأسيس”، وصفه إعلام التحالف بالهام، وهو بالفعل أمل مرتجى في ظل الظرف الدقيق الذي تمر به البلاد. ففي خضم التحديات الجسام التي تواجهها القوى الثورية في السودان، يتطلع الجميع إلى كيان قوى وقادر على قيادة المرحلة الانتقالية بكفاءة وشفافية وعلى “تأسيس” معالجة الخلل البنيوي في الحكومة والقيادة قبل أن تقع الفأس في الرأس
ومع ذلك، فإن النظرة الفاحصة للمشهد الراهن تكشف عن ملاحظات بنيوية كبيرة تستوجب المعالجة الفورية، خشية أن تتحول هذه الآمال العراض إلى سراب يحسبه الظمأن ماء، وقبل أن تقع “الفأس ” دون تحقيق الأهداف المنشودة.
إن التحدي الأبرز الذي يواجه “قيادة تأسيس” يكمن في ضرورة فك الازدواجية والتكرار في المهام والمناصب. فبينما يفرض الظرف الراهن ضرورة الاستعانة بعدد محدود من الكوادر، إلا أن هذا لا ينبغي أن يصبح عائقًا أمام ضخ دماء جديدةوعلماء وخبراء وكفاءات نوعية في مفاصل الأجهزة السياسية والتنفيذيةوالتشريعية
الملاحظةالمتكررة لوجود الشخص الواحد في أكثر من موقع قيادي أو تنفيذي أو تشريعي داخل هياكل التحالف العديدة ليست مجرد تفصيل عابر، بل هي “سمة متوارثة من دولة 56 وهى من الممارسة التي أقعدت الابتكار والإبداع في العمل العام في الوطن العزيز”. هذه الظاهرة، إن استمرت، ستقوض فعالية الأداء وتحد من مساحات الابتكار المطلوبة لبناء مرتكزات الدولة الحديثة.
إن فك هذه الازدواجية يتطلب أسس تنظيمية واضحة وشفافة وفعاله وليست رفاهية، بل هو مدخل أساسي للتفوق على الذات ولتقوية أداء التحالف الوليد وتوسيع قاعدة المشاركةالمجتمعية .
فالسودان، بثرائه وتنوعه، يمتلك سياقات أمنية وسياسية واجتماعية تختلف كليًا من إقليم لآخر. هذا الواقع يقتضي توازنًا مدروسًا يزاوج ما بين التوازن العمري والنوعي والكفاءة في التوزيع العادل للمناصب والمسؤوليات وإغفال هذا التنوع في بناء الهياكل القيادية والتنفيذية سيؤدي حتمًا إلى ضعف التمثيل المطلوب، وغياب الرؤى الشاملة، وبالتالي فشل السياسات في تحقيق أهدافها المبتغاة على المستوى الوطني.
علاوة على ذلك، لا يمكن لشخص واحد أن يؤدي المهمة التنفيذية المرتبطة بوزارة أو جهاز او لجنة…او غيرها ، فالوظيفة السياسية المتطلبة للحزب أو التحالف، بنفس الكفاءة والتركيز في آن واحد. التداخل في الصلاحيات بين الدور السياسي والدور التنفيذي يضعف من كفاءة الأداء، ويفتح الباب أمام تضارب المصالح الشخصية، ويشتت الجهود. إن أي خطوة تحدد بوضوح مهمة التحالف السياسي وتفصلها عن مهام الجهاز التنفيذي، وتحد من التداخل في الصلاحيات، ستصب بلا شك في تجويد التجربة وتراكم الخبرات بشكل إيجابي.
صحيح أن التجربة قد تصقل التفكير بمنطق الأشياء، لكن اللحظة التاريخية الراهنة لا تحتمل الانتظار. لكنها تقتضي التفكير خارج الدوائر المغلقة، والجرأة على اتخاذ قرارات هيكلية جريئة تكسر الموروثات السلبية. إن بناء الدولة الحديثة والفعالة في مناطق سيطرة “تأسيس” يتطلب قيادة واعية، وهياكل رشيدة، وكوادر متخصصة، كل في موقعه، دون تكرار أو تداخل.
قبل أن تتراكم التحديات، وتتفاقم الأخطاء، ويصبح الإصلاح أكثر صعوبة، على “تأسيس” أن تعيد النظر في بنيتها التنظيمية. إن معالجة هذا الخلل البنيوي في الحكومة والقيادة ليس مجرد إجراء إداري، بل هو استثمار في المستقبل الواعد، وضمانة لنجاح المشروع الوطني الكبير.
وبتطبيق هذه الملاحظات، يمكن لـ “تأسيس” أن تعزز من فرص نجاحها، وتتجنب الأخطاء التي قد تؤدي إلى “الفشل الذريع”، وتثبت قدرتها على قيادة السودان نحو مستقبل أفضل
فهل ستستجيب “تأسيس” لهذا النداء الهام والعاجل، وتصحح مسارها قبل أن تقع الفأس في الرأس؟ هذا ما ستكشفه الأيام القادمة.
sddgander@gmail.com
4ابريل 2026م كمبالا




