
عماد جدو
منذ أن طرح الجغرافي البريطاني هالفورد ماكندر نظريته حول “قلب العالم”، ظلّ الصراع الدولي يُفهم باعتباره تنافسًا بين قوى بحرية تقودها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وقوى قارية تسعى للتمدد داخل أوراسيا مثل الصين وروسيا. جوهر الفكرة بسيط: من يسيطر على مركز اليابسة العالمية يمتلك نفوذًا حاسمًا على النظام الدولي.
هذا النمط ليس جديدًا؛ فقد عرفه التاريخ في صراع الإمبراطورية الرومانية مع الإمبراطورية الفارسية، حيث تنافست القوتان على الممرات الحيوية في الشرق الأوسط. واليوم يتكرر المشهد بصيغة حديثة، حيث تهيمن الولايات المتحدة بحريًا، بينما تحاول الصين وروسيا إعادة التوازن عبر البر والتكنولوجيا.
لكن الصراع لم يعد محصورًا في القوى الكبرى، بل امتد إلى الدول الهشة، ومنها السودان، الذي تحول إلى ساحة تنافس غير مباشر. فموقعه الجغرافي بين البحر الأحمر وعمق أفريقيا، وارتباطه بممرات التجارة والطاقة، جعله محل اهتمام متزايد من أوروبا والولايات المتحدة، سواء عبر المسارات الدبلوماسية أو الضغوط السياسية أو محاولات إعادة تشكيل المشهد المدني والعسكري.
هذا الاهتمام لا ينفصل عن الرغبة في منع تمدد نفوذ قوى أخرى في المنطقة، وضمان بقاء السودان ضمن دائرة التوازنات الدولية، لا خارجها. وهكذا يصبح الصراع الداخلي جزءًا من لوحة أكبر، تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية.
في المحصلة، يتجه العالم نحو تعددية قطبية، حيث لا قوة واحدة تهيمن بالكامل، بل تتقاسم النفوذ عبر صراعات مباشرة وأخرى بالوكالة. وبين قلب العالم وموانئ البحر الأحمر، تتشكل خرائط جديدة… تؤكد أن الجغرافيا لا تزال تحكم السياسة، ولكن بأدوات أكثر تعقيدًا.




