
نجوي بابو
في الأزمنة العادية، يُنظر إلى الطبيب بوصفه آخر حصون الرحمة، الحارس الهادئ بين الإنسان والموت، والشاهد النزيه على هشاشة الجسد البشري. لكن في زمن الحرب، تتشوه الملامح، وتُعاد كتابة الأدوار، ويصبح السؤال أكثر قسوة: ماذا يحدث حين ينكسر هذا الحارس من الداخل؟
ليست المأساة في الحرب فقط ما تفعله القذائف بالأجساد، بل ما تفعله بالأرواح أيضاً بضمير الإنسان حين يُجبر على الاختيار بين النجاة والتواطؤ، بين الخوف والواجب. هنا، لا تعود الأخلاق المهنية نصوصاً معلقة على جدران كليات الطب، بل تتحول إلى اختبار يومي: هل يظل الطبيب طبيباً، أم يصبح شيئاً آخر؟
في بعض الزوايا المعتمة من الحروب، يظهر نموذج مقلق: طبيب يتحول إلى تاجر، يزن الألم بميزان الربح، ويرى في المرض فرصة، وفي الجرح فاتورة. ترتفع تكاليف العلاج كما ترتفع ألسنة اللهب، وكأن معاناة الناس مورد لا ينضب. وفي زوايا أشد ظلمة، ينزلق البعض إلى ما هو أخطر: أن يصبح الجسد الذي أقسموا على حمايته مجرد وسيلة لجمع المعلومات، أو لتبرير انتهاك، أو حتى لتسهيل موت قادم من السماء.
هنا، لا نتحدث فقط عن فساد فردي، بل عن انهيار في الفكرة نفسها: فكرة أن هناك مهنة تقف فوق الصراع، فوق السياسة، فوق السلاح. حين يفقد الطبيب حياده، يفقد المجتمع آخر خيوط الثقة. وحين تتحول العيادة إلى امتداد للحرب، يصبح الألم بلا ملاذ.
لكن الصورة ليست سوداء بالكامل. في قلب هذا الخراب، ما زال هناك من يختار الطريق الأصعب: أطباء يعملون في الظل، تحت القصف، بإمكانات معدومة، لكن بضمير يقظ. يضمدون الجراح دون أن يسألوا عن هوية المصاب، ويقاومون إغراء النجاة الشخصية بثمن أخلاقي. هؤلاء لا يصنعون عناوين الأخبار، لكنهم يحفظون المعنى الحقيقي للمهنة—ويذكروننا بأن الإنسانية، حتى وهي تنزف، لم تمت بعد.
المعضلة الحقيقية في الحرب ليست فقط من يطلق النار، بل من يقرر أن يقف على الحياد… أو أن يتخلى عنه. لأن الانهيار لا يبدأ من ساحة المعركة، بل من اللحظة التي يبرر فيها الإنسان لنفسه أن ما يفعله “ضروري”.
في النهاية، يبقى السؤال معلقاً: عندما تنتهي الحرب—كما تنتهي كل الحروب يوماً ما—ماذا سيتبقى؟ المباني يمكن إعادة بنائها، والطرق يمكن إصلاحها، لكن ماذا عن الثقة؟ ماذا عن الضمير حين يتشقق؟
ربما تكون إعادة إعمار الإنسان أصعب بكثير من إعادة إعمار الحجر.




