القطاع المصرفي السوداني ،الاختلالات البنيوية ، المعايير الدولية وخارطة طريق الإصلاح
عمر سيد أحمد

عمر سيد أحمد
| باحث في الاقتصاد السياسي السوداني /خبير مصرفي ومالي مستقل | o.sidahmed09@gmail.com
ثمة حقيقة يُقرّها علم الاقتصاد السياسي بوضوح: أن انهيار الجهاز المصرفي في أي دولة ليس مجرد أزمة مالية عابرة، بل هو انهيار في الوظيفة الحضارية للدولة ذاتها. فالبنوك وسيط الثقة الذي يُحوّل المدخرات إلى طاقة إنتاجية، وهي الأداة التي تقيس بها المؤسسات الدولية درجة النضج المؤسسي لأي اقتصاد. وفي السودان، بلغ هذا الجهاز مراحل انهيار غير مسبوقة في تاريخه المعاصر.
منذ ثمانينيات القرن الماضي، تراكمت طبقات الخلل: سياسات تمكينية انتهازية، وأسلمة أحادية دون بنية مؤسسية ناضجة، وخصخصة مُتعجّلة أفادت منها نخب سياسية. وجاء انقلاب أكتوبر 2021 ليعمّق هذه الجراح، ثم أتت حرب أبريل 2023 لتُتمّ الكارثة، وها نحن ندخل العام الرابع منها دون أفق واضح لوقف النار. الحرب لم تصنع الأزمة المصرفية؛ بل كشفت هشاشة بنيانٍ كان واهياً من الأساس — وزادت عليه أبعاداً لم تشهدها منطقتنا من قبل.
أولاً: ما الذي دمّرته الحرب؟ – أربع سنوات من الانهيار المتراكم
وفقاً لتقرير بنك السودان المركزي (مطلع 2026) المُستشهد به في دراسات الاقتصاد السوداني، تعرّض ما لا يقل عن 100 فرع مصرفي من أصل 833 للتدمير الكامل — أي 12% من إجمالي شبكة الفروع الوطنية. وتجاوزت الخسائر المادية المباشرة ما يمكن إحصاؤه بسهولة؛ إذ ضاعت أرشيفات كاملة تحمل بيانات العملاء وسندات الضمانات العقارية، وانهار نظام المقاصة والتحويلات الإلكترونية. والأثقل وطأةً أن أكثر من ستة بنوك أجنبية غادرت السودان تباعاً.
وتُؤطّر أرقام البنك الدولي (Sudan Economic Update, May 2025) حجم الكارثة: انكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو 29.4% في 2023، يليه انكماش إضافي بـ13.5% في 2024 — وهو من أشد موجات الانكماش في التاريخ الاقتصادي الحديث. وتراجعت إيرادات الحكومة من 10% من الناتج المحلي عام 2022 إلى أقل من 5% عام 2023، فيما قفز معدل البطالة إلى 47% ومعدل التضخم إلى 170% عام 2024. والأكثر إيلاماً أن نسبة الفقر تضاعفت من 33% إلى 71% خلال عامين فقط.
على صعيد سعر الصرف، بلغ الدولار في السوق الموازي نحو 560 جنيهاً ليلة اندلاع الحرب (أبريل 2023)، ثم تتالت موجات الانهيار لتصل إلى 3,580 جنيهاً في سبتمبر 2025، وتجاوزت 4,250 جنيهاً في أبريل 2026 — وهو ما يمثل تدهوراً بأكثر من 650% في ثلاث سنوات. هذا الانهيار يُعيد رسم الجدوى من قيمة رؤوس أموال البنوك المُعلنة بالجنيه السوداني؛ إذ أن أي بنك كان رأسماله يعادل 10 ملايين دولار عام 2023 قد بات ما يعادله بالجنيه لا يشتري اليوم سوى أقل من مليوني دولار — أي تآكلٌ فعلي تجاوز 75%.
حسنًا، أكمل لك النص كما هو دون أي تعديل أو اختصار:
ثانياً: الانقسام المالي – سيادة مجزأة وعملة في حرب
يُمثّل الانقسام المالي الحادث في السودان ظاهرة نادرة في تاريخ الأزمات المصرفية الحديثة، وهو ما يُضاف إلى قائمة الاختلالات البنيوية القديمة ليُعقّد أي مسار للإصلاح.
في يناير 2026، أطلق رجال أعمال مرتبطون بقوات الدعم السريع تطبيقاً مالياً في دارفور تحت مسمى «المستقبل للخدمات المصرفية والمالية». وأصدر بنك السودان المركزي في 28 يناير 2026 تحذيراً رسمياً من التعامل مع هذا التطبيق، مؤكداً أنه «يخالف قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لسنة 2014». وتبع ذلك إعلان تحالف «تأسيس» — الذراع السياسي للدعم السريع — عزمه إنشاء وزارة مالية وبنك مركزي موازٍ، في خطوة رآها مراقبون نواةً لـ«دولة داخل الدولة»
على الأرض، يعيش إقليم دارفور حالة عملة مزدوجة شاذة: الحكومة السودانية أصدرت فئات نقدية جديدة، بينما لا تزال الفئات القديمة هي المتداولة في مناطق الدعم السريع، إذ فرضت هذه القوات العملة الورقية القديمة «مبرئةً للذمة» وأجبرت التجار على قبولها. وأدى ذلك إلى ظهور سعرَين: سعر بالكاش وسعر آخر أعلى بنسبة تصل إلى 20% عبر تطبيق «بنكك» التابع لبنك الخرطوم، وقد سجن الدعم السريع موظفين حكوميين بجريمة تلقّي رواتبهم عبر هذا التطبيق من بورتسودان.
الخلاصة الاستراتيجية:
أشارت تقارير منصة TRT Africa وتحليلات خبراء اقتصاديين إلى نشوء «اقتصاد مزدوج» في السودان تُدار فيه المناطق بأنظمة مالية موازية تشمل فرض جمارك ودفع مرتبات خارج سلطة البنك المركزي. وحذّر خبراء من أن إنشاء عملة موازية سيواجه رفضاً في بقية السودان الذي يُمثّل السوق الأساسي لمنتجات دارفور. هذا التشظي المالي يُضيف عائقاً بنيوياً جديداً على كل خطة إصلاح مصرفي، إذ لا يمكن بناء نظام نقدي موحّد في ظل انقسام في السيادة الترابية والمؤسسية.
ثالثاً: الاختلالات البنيوية المزمنة — ما قبل الحرب وما أضافته
١- شلل السياسة النقدية:
منذ منتصف التسعينيات، هجر بنك السودان المركزي أدوات السياسة النقدية الكلاسيكية — سعر الفائدة، الاحتياطي الإلزامي، سعر الخصم — واستعاض عنها بـ«شهادات شهامة» التي باتت في الواقع وسيلةً لتمويل عجز الموازنة لا لضبط السيولة. وحين عجزت بعض البنوك عن السداد، حوّل البنك المركزي ديونها إلى «حصص شراكة»، فأصبح مراقباً ومساهماً في آنٍ واحد، مُخلاً بأبسط قواعد الاستقلالية الرقابية.
٢- هشاشة رأس المال والحوكمة:
تعمل معظم البنوك السودانية برأسمال اسمي لم يعد له وزن حقيقي بعد انهيار الجنيه. وتُوجَّه حصص كبيرة من التمويل لمساهمين ومديرين خارج أي ضوابط حوكمة فعلية. وتشير الدراسات إلى تراجع حاد في كفاية رأس المال خلال السنوات الأخيرة.
مفارقة سعر الصرف وأزمة رأس المال الحقيقي:
خاطب بنك السودان المركزي عدداً من البنوك بضرورة رفع رؤوسها المالية إلى 140 مليار جنيه، غير أن الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي جعلت هذه الأرقام مضللة، إذ تتآكل القيمة الحقيقية لرأس المال بشكل كبير.
٣- الإقصاء المالي:
لا تتجاوز نسبة السودانيين الذين يملكون حسابات مصرفية نشطة 15.3%، وهو من أدنى المعدلات في أفريقيا، مقارنةً بنسب أعلى بكثير في دول مثل كينيا ومصر.
٤- ترهّل البنك المركزي:
يضم بنك السودان عدداً كبيراً من الإدارات والفروع، ما يعكس تضخماً بيروقراطياً لا يرتبط بالحاجة الفعلية، وقد زادت الحرب من العبء التشغيلي.
٥- تعارض المصالح الجذري:
المراقِب مساهِمٌ ومسلَّح في آنٍ واحد
يتجلّى هذا الاختلال في ثلاثة مستويات:
بنك السودان مساهم في البنوك التي يراقبها
القوات المسلحة مساهمة في القطاع المصرفي
قوات الدعم السريع تمتلك بنكاً وتوظّفه
الخلاصة التحليلية:
حين يكون المراقِب مساهِماً، والجيش مصرفياً، والمليشيا مديرةً لبنك، تنهار الوظيفة الرقابية من جذورها.
رابعاً: السودان والمعايير الدولية — الهوّة الكبيرة
تشكّل اتفاقيات بازل المرجعية العالمية لتنظيم القطاع المصرفي، وتشمل:
بازل 1: حد أدنى لكفاية رأس المال 8%
بازل 2: إدخال مفهوم المخاطر التشغيلية والرقابة والإفصاح
بازل 3: تعزيز السيولة والرافعة المالية ومتطلبات رأس المال
ورغم ذلك، لا تزال بنوك سودانية عديدة عاجزة عن تحقيق الحد الأدنى لهذه المعايير.
خامساً: الوضع الراهن للبنوك السودانية — تشخيص تحليلي
في ظل انعدام الشفافية، يصعب تصنيف البنوك بدقة، لكن يمكن تقدير الوضع كالتالي:
الفئة الأولى — بنوك في حالة إفلاس تقني (حوالي 40%)
الفئة الثانية — بنوك ذات ملاءة هشة (حوالي 45%)
الفئة الثالثة — بنوك ذات أداء نسبي أفضل (حوالي 15%)
تشير المؤشرات إلى أن نسب التعثر تجاوزت 50% في القطاع، ما يعني أن جزءاً كبيراً من البنوك يواجه الإفلاس فعلياً.
سادساً: خريطة طريق الإصلاح — ثلاثة مسارات متوازية
المسار الأول — الإنقاذ العاجل:
إعادة بناء السيولة، إصلاح السياسة النقدية، معالجة الانقسام المالي
المسار الثاني — الامتثال لبازل 2:
رفع رأس المال، دمج البنوك، تحسين الشفافية والرقابة
المسار الثالث — التحول نحو بازل 3 والرقمنة:
تطبيق معايير السيولة، تطوير الأنظمة الرقمية، إصلاح البنك المركزي
خاتمة: الإصلاح المصرفي شرط السيادة الاقتصادية
الأزمات المالية لا تنشأ فجأة، بل تتراكم عبر الإهمال المؤسسي، وهو ما حدث في السودان. ويواجه البلد اليوم تحدياً مضاعفاً يتمثل في الدمار الاقتصادي والانقسام المالي في آنٍ واحد.
الإصلاح المصرفي ليس خياراً، بل ضرورة وجودية لإعادة بناء الدولة واستعادة السيادة الاقتصادية.




