
عبدالجليل الباشا محمد
أصبحت الأزمة السودانية، مع استمرار الحرب وتعاظم تداعياتها، واحدة من أكثر الأزمات تعقيدًا وتشابكًا على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، الأمر الذي جعل معظم المبادرات المطروحة رهينة لتوازنات القوى على الأرض وتقاطعات المصالح الإقليمية والدولية. ويكفي النظر إلى التباينات الواضحة في مواقف القوى الدولية والإقليمية، رغم البيانات المشتركة التي صدرت في أوقات مختلفة، لفهم حجم التناقض الذي أحاط بمسارات التسوية ومحاولات إنهاء الحرب.
لقد أفرز هذا الواقع تعددًا في المبادرات وتضاربًا في المنابر السياسية، بصورة أعاقت بناء موقف دولي موحد قادر على ممارسة ضغط حقيقي على الأطراف المعرقلة للسلام، بل منحت بعض القوى مساحة واسعة للمناورة واختيار المسارات التي تضمن استمرار حضورها داخل المعادلة السياسية والعسكرية المستقبلية.
غير أن الإشكال الأعمق لا يكمن فقط في تعدد المبادرات، وإنما في طبيعة الرؤية التي تقوم عليها تلك المبادرات نفسها. فمعظم الجهود الدولية والإقليمية تركز بصورة أساسية على وقف إطلاق النار باعتباره أولوية عاجلة لاحتواء الكارثة الإنسانية المتفاقمة، بينما يظل السؤال الجوهري حاضرًا بإلحاح: هل يكفي إسكات البنادق وحده لصناعة سلام دائم؟
الحقيقة أن وقف إطلاق النار، رغم أهميته الإنسانية والسياسية، لا يمثل سوى خطوة أولى في طريق طويل ومعقد. فهو قد ينجح في تجميد المعارك مؤقتًا وخلق حالة من “السلام السلبي” القابل للانهيار في أي لحظة، لكنه لا يعالج جذور الأزمة البنيوية التي قادت السودان إلى دوامة الحروب والانقسامات منذ الاستقلال.
فالأزمة السودانية ليست مجرد صراع عسكري طارئ، بل هي نتاج تراكمات تاريخية عميقة تتعلق بالفشل في إدارة التنوع السوداني بصورة عادلة ومتوازنة، إلى جانب الاختلالات السياسية والتنموية والاقتصادية والاجتماعية التي تعمقت بفعل الأنظمة الشمولية المتعاقبة، وتحولت مع مرور الوقت إلى نزاعات مسلحة وأزمات هيكلية مزمنة.
ومن هنا تبرز الفجوة الحقيقية بين مفهوم “وقف إطلاق النار” ومفهوم “السلام المستدام”. فالأخير لا يعني غياب الحرب فقط، بل يتطلب بناء سلام إيجابي قائم على العدالة، وسيادة حكم القانون، واحترام حقوق الإنسان، والتنمية المتوازنة، والتماسك الاجتماعي، ومعالجة آثار الحرب وأسبابها في آن واحد.
لكن اللافت أن كثيرًا من القوى السياسية والمدنية لا تزال تتعامل مع قضية “معالجة جذور الأزمة” كشعار نظري فضفاض أكثر من كونه مشروعًا عمليًا واضح المعالم. فغالبية الطروحات السياسية تعيد إنتاج الخطاب القديم نفسه بصياغات جديدة، دون تقديم برامج جادة وقابلة للتنفيذ تؤسس فعلًا لطي صفحة الحروب وبناء دولة المواطنة المتساوية.
وفي ظل استمرار الحرب، وتصاعد الانتهاكات، واتساع رقعة المعاناة الإنسانية، وغياب صوت مدني موحد يمتلك رؤية وطنية جامعة، تزداد احتمالات الوصول إلى تسويات جزئية أو ثنائية أو شكلية، وهي تسويات قد توقف الحرب مرحليًا لكنها لن تمنع إعادة إنتاج الأزمة بصورة أكثر تعقيدًا في المستقبل.
إن السلام المستدام في السودان لن يتحقق بمجرد إسكات صوت السلاح، بل يتطلب إرادة وطنية حقيقية تتجاوز الحسابات الضيقة، مدعومة بجهد دولي منسق يضع مصلحة السودان فوق اعتبارات النفوذ والمصالح الإقليمية.
وكما قال المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي:
“القديم يحتضر، والجديد لم يولد بعد، وفي هذا الفراغ تظهر أمراض متعددة.”
ولعل أخطر تلك الأمراض أن يتحول السلام نفسه إلى هدنة مؤقتة تؤجل الانفجار القادم بدلًا من أن تمنع وقوعه.




