رأي

شقرة هزمت الدم وانتصرت لقضية الشعوب

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

القضايا العادلة تصنع شعوباً تقاتل حتى آخر حدود الكرامة والإيمان

ليست كل الحروب مجرد صراع على السلطة، وليست كل البنادق مجرد أدوات قتال، فهناك حروب تتحول إلى معارك وجود تعيد تعريف الشعوب لنفسها، وتعيد رسم العلاقة بين الإنسان وقضيته، بين الفرد ومجتمعه، بين الدم والفكرة. وفي السودان اليوم، تخوض شعوب الهامش واحدة من أعظم معاركها التاريخية ضد دولة النخب القديمة التي ظلت، منذ الاستقلال، تحتكر السلطة والثروة والسلاح والقرار، وتصادر حق ملايين السودانيين في وطن عادل ومتوازن.

ولذلك فإن الذين يظنون أن قضية الدعم السريع أو مشروع “تأسيس” مجرد تحالف عسكري عابر، لا يفهمون شيئاً عن التحولات العميقة التي حدثت داخل المجتمعات السودانية خلال العقود الماضية. فالحواضن الاجتماعية التي تقف اليوم خلف مشروع التغيير لم تعد مجرد قواعد تعبئة تقليدية، وإنما شعوب كاملة تؤمن بعدالة قضيتها إيماناً يتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، وتعتبر هذه الحرب معركة تحرير تاريخية ضد منظومة كاملة من الإقصاء والاستعلاء والعنف المنظم.

ولهذا جاء موقف ابنة علي رزق الله “السافنا” ــ المكنى بـ”أبي شقرة” ــ كواحد من أكثر المشاهد السياسية والإنسانية رمزية وتأثيراً منذ اندلاع الحرب. لم يكن الأمر مجرد خلاف عائلي أو موقف انفعالي عابر، بل لحظة تاريخية كشفت حجم الإيمان الذي تحمله شعوب الهامش تجاه قضية التغيير والتحرير.

أن تخرج ابنة الرجل بنفسها لتقول أمام العالم إن والدها لا يمثلها، وإنه اصطف مع القوى التي تستهدف مجتمعاتها وقضيتها، فهذا ليس موقفاً عادياً يمكن المرور عليه بسهولة. إنها لحظة يتقدم فيها الانتماء للقضية على روابط الدم، ويتحول فيها الوعي الجمعي إلى قوة أخلاقية وسياسية تتجاوز العائلة والقبيلة والمصالح الشخصية.

لقد فهمت “شقرة” ما لم تفهمه كثير من النخب السودانية حتى الآن؛ فهمت أن هذه الحرب ليست مجرد معركة بين جنرالين، وإنما مواجهة بين مشروعين متناقضين بالكامل: مشروع يريد إعادة السودان إلى قبضة النخب القديمة وجيش الفلول ودولة الامتيازات التاريخية، ومشروع آخر تقوده شعوب ظلت لعقود طويلة تعيش تحت القهر والتهميش والإقصاء، وتحلم أخيراً بوطن يعترف بها كبشر متساوين في الحقوق والكرامة والسلطة والثروة.

ولذلك لم يكن غريباً أن تتبرأ الأسرة من موقف “السافنا”، لأن المجتمعات التي تؤمن بقضية التحرير لا تجامل في القضايا المصيرية. فهذه الحرب ــ بالنسبة لتلك الشعوب ــ ليست خلافاً سياسياً قابلاً للمساومة، وإنما حرب وجود ضد مؤسسة ظلت، في نظرهم، تمارس القتل والقصف والتجويع والإذلال ضد المدنيين باسم الدولة والوطنية.

إن حكومة بورتسودان، بكل خطابها التعبوي والإعلامي، لا تدرك حقيقة التحول الكبير الذي حدث داخل المجتمعات السودانية الداعمة للدعم السريع. فهذه الحواضن لم تعد مجرد امتدادات قبلية أو جغرافية كما يتصور البعض، بل أصبحت كتلة اجتماعية وسياسية واسعة تؤمن بأن مشروع “التأسيس” يمثل فرصتها التاريخية الأخيرة لانتزاع دولة ظلت مختطفة لأكثر من سبعين عاماً بواسطة نخبة مركزية احتكرت كل شيء.

وهنا تكمن خطورة هذه الحرب وتعقيدها. فحين تتحول القضية إلى عقيدة شعبية، يصبح كسرها مستحيلاً. ولهذا قال قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو إنهم قادرون على مواصلة القتال حتى العام 2040، لأنه يعلم أن مشروعه لا تحرسه البنادق وحدها، وإنما تحرسه شعوب كاملة ترى في هذه المعركة معركتها الخاصة من أجل الكرامة والاستقلال والتحرر الكامل.

إن الذين يقللون من حجم الحواضن الشعبية الداعمة للدعم السريع لا يقرأون السودان جيداً. فالمجتمعات التي تعرضت لعقود من الإذلال والحروب والتهميش والإبادة لم تعد مستعدة للعودة إلى نقطة الصفر، ولم تعد تؤمن بخطابات “الوطنية” التي استخدمت لعشرات السنين كغطاء لاستمرار احتكار السلطة والثروة بواسطة مجموعات محددة.

ولذلك فإن ما حدث داخل أسرة “السافنا” ليس حالة استثنائية كما يظن البعض، بل تعبير عن واقع اجتماعي وسياسي أكبر بكثير. فالحرب الحالية أعادت فرز المجتمع السوداني بصورة غير مسبوقة؛ واجه فيها الأب ابنه، والأخ أخاه، وأبناء العمومة بعضهم بعضاً، لأن الناس لم يعودوا ينظرون إلى الصراع باعتباره مجرد خلاف سياسي، وإنما باعتباره اختباراً أخلاقياً حاسماً: إما الوقوف مع قضية الشعوب أو الاصطفاف مع الجلاد.

ومن هنا جاءت مناشدة ابنة “السافنا” للسيد القائد حمدان دقلو، لأنها تدرك ــ كما تدرك قطاعات واسعة من شعوب الهامش ــ أن مشروع التغيير يمضي نحو غاياته بثبات، وأن الرجل الذي يقود هذا المشروع لم يعد مجرد قائد عسكري، بل تحول في وجدان كثيرين إلى رمز سياسي واجتماعي لقضية التحرير نفسها.

كما أن الاستجابة السريعة من دقلو لنداء الأسرة لم تكن أمراً مفاجئاً بالنسبة لأنصاره، لأنها تنسجم مع الصورة التي ترسخت عنه داخل تلك المجتمعات باعتباره قائداً قريباً من الناس ومن قضاياهم ومعاناتهم، وقادراً على اتخاذ قرارات حاسمة في اللحظات الحرجة.

لكن الأهم من كل ذلك أن هذه الحادثة كشفت شيئاً بالغ الأهمية: أن مشروع “تأسيس” لم يعد مجرد وثيقة سياسية أو تحالف عسكري، بل أصبح مشروعاً اجتماعياً واسعاً يستند إلى قاعدة جماهيرية عريضة ترى فيه بوابة الخلاص من السودان القديم بكل مآسيه وأزماته.

إن شعوب الهامش التي دفعت أثمان الحروب لعقود طويلة لم تعد تطالب بإصلاحات تجميلية أو شراكات شكلية داخل الدولة القديمة، وإنما تريد إعادة تأسيس السودان بالكامل على أسس جديدة قائمة على العدالة والمساواة والاعتراف الحقيقي بالتنوع السوداني.

ولهذا فإن الحرب، بالنسبة لهذه المجتمعات، لن تتوقف بمجرد الدعوة إلى التفاوض أو التسويات التقليدية، لأن القضية ــ في وعيهم ــ أصبحت أعمق من مجرد اقتسام سلطة. إنها معركة من أجل إعادة تعريف السودان نفسه.

وفي النهاية، فإن مشهد “شقرة” سيبقى واحداً من أكثر مشاهد هذه الحرب رمزية وقوة، لأنه كشف أن الشعوب التي تؤمن بقضيتها لا يمكن هزيمتها بسهولة، وأن المجتمعات التي تخوض معركة وجود لن تتراجع مهما كانت التضحيات.

لقد دخل السودان مرحلة جديدة بالكامل، مرحلة لم تعد فيها البنادق وحدها هي التي تحسم المعارك، بل أيضاً الوعي، والإيمان بالقضية، والاستعداد لتحمل الكلفة التاريخية للتغيير.

ولهذا فإن الشعوب الحرة لن تنكسر، لأن الشعوب التي تقاتل من أجل كرامتها تعرف جيداً أن الطريق إلى الحرية طويل، لكنه الطريق الوحيد الذي يستحق السير فيه حتى النهاية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!