رأي

بدون تشكيك في مؤسساتنا العدلية

خالد فضل

الأستاذة المستشارة انتصار عبدالعال ؛ التي عيّنها قائد الجيش الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان في وظيفة النائب العام , تصدت لمداخلة ممثل دولة الإمارات العربية المتحدة في اجتماعات مجلس حقوق الإنسان بجنيف , بقولها إنّ عليه مراجعة تاريخ بلده ليعرف الدولة التي صاغ علماؤها وخبراؤها دستور دولته .
تقول روايات التاريخ المعاصر إنّ الراحل د. حسن الترابي قد ساهم في صياغة دستور وقوانين دولة الإمارات العربية المتحدة , وقد قرأت ضمن سيرة مولانا القاضي الشرعي عمر بخيت العوض يرحمه الله , أنّه ساهم كذلك في نفس الإتجاه . وربما غيرهم ممن شارك في تأسيس المنظومة الدستورية والعدلية في دولة الإمارات . بالطبع لم يشاركوا كمتطوعين ؛ بل عبر تعاقدات مجزية ماديا على الأقل . وهذا أمر طبيعي ما يزال سائدا , فكثير من الخبراء والمهنيين والعمال الماهرين بل والجنود المدربين والضباط السودانيين يعملون في كثير من بلدان العالم بما في ذلك البلدان الغربية المتقدمة في مختلف المجالات وجميعهم ينالون أجورهم وفق التعاقدات المبرمة مع تلك الجهات . ولعل اسهاماتهم المادية على وجه الخصوص قد ساعدت وساهمت بشكل فعال في تقديم الخدمات المبقية على الحياة لذويهم وأقربائهم وأصدقائهم وأهلهم , ولبعض مواطنيهم بشكل عام .
فبعد مرور سبعين عاما على استقلال البلد الذي أنجب هؤلاء العلماء والخبراء والعناصر الكفؤة التي تثري الحياة في بلدان أخرى , وتسهم في تقدم شعوب بعيدة وقريبة , وتحمي وتزود عن أمن واستقرار بلدان غنية وثرية ما شالله نجدهم يرسلون التحويلات المالية لإعاشة ذويهم , في الحقيقة لإغاثتهم والمحافظة على حياتهم في الحد الأدنى . أو استقدامهم في رحلات طويلة ومضنية عبر سلسلة من الإجراءات المعقدة والانتظار قبل أن يتمكنوا من إلحاقهم بهم أو توصيلهم إلى بلدان اللجوء وأماكن النزوح صونا لأرواحهم من الإزهاق سمبلا , وفي البلد الذي خصّته السيدة المستشارة بالتذكير , تقوم السلطات التي أسسها الخبراء السودانيون قبل 50 عاما تقريبا باصدار قرارات لتسهيل إغاثة المواطنين السودانيين ومن ضمنها منحهم ما يعرف (إقامة الكوارث) لمدة عام يتم تجديدها كل حين . لقد أحسن الرعيل الأول من علماء السودان وخبراؤه صنعا إذ ساهموا في تشييد بلد صار اليوم ملاذا لخلفهم إليه يهرعون عند الملمات وما أكثرها وأفظعها , وعند الإستثمارات وما أضخمها !! ولست أدري إنْ كانت السيدة المستشارة التي نصّبها قائد الجيش تعلم تلك المسائل التي تهم حياة ملايين المواطنين السودانيين وأسرهم أم ليس في اختصاصها العدلي الاهتمام بالحياة اليومية والعلاج والامان لمجموعات منهم, فهي تنوب عن مجموعات والأخرى عندها ؛ وجوه غريبة !!
ثمّ نرى السيدة المستشارة تطلب إنهاء تكليف لجنة تقصي الحقائق الدولية المستقلة وتؤمن على لجنتها التي عينها قائد الجيش ؛ وهو الذي يصنف في كل الأدبيات الدولية كطرف من طرفي الحرب الطاحنة . تعتبر أنّ تلك اللجنة مسيسة . بالفعل اللجنة مسيسة , فليس هناك نشاط بشري ليس مسيسا , الحفاظ على البيئة , والتحول للطاقات النظيفة نشاط سياسي , ومباريات كرة القدم وغيرها من الرياضات أنشطة ذات بعد سياسي , أما القانون والسياسة فهما توأمان لا ينفصلان , والسيدة المستشارة تم تعيينها في منصبها بقرار سياسي , وأعضاء النيابة العامة الذين بعضهم عناصر في جهاز الأمن والمخابرات سياسيون من عضوية تنظيم الحركة الإسلامية الذين جنّد بعضهم عبدالعزيز عشر المحامي من أيام الجامعة وفق شروط التنظيم بأن يكونوا على الحديدة (أي فقراء مدقعون) . فلماذا لا يكون شاندي عثمان ومريم الريشماوي سياسيين . عليهم أن يكونوا ماذا ؟ هم مهنيون في أداء وظيفتهم , وفي تحقيقاتهم وتقاريرهم , وعليه كان يمكن للسيدة المستشارة أن تطعن مهنيا في التقارير , ذلك أدعى لإحترام علمها وخبرتها القانونية , مثلما قدّم وزير عدلها السابق شكواه لمحكمة العدل الدولية وتكليف محام دفعت له ملايين الدولارات , ليجئ قرار المحكمة في ثلاث كلمات ( خارج دائرة الإختصاص) . كل كلمة تكلفتها 3مليون دولار بحسب التقارير الإعلامية عن قيمة أتعاب المحامي الهمام .
الحقيقة العارية , أنّ أوضاع بلادنا كلها تحتاج إلى تحقيقات دولية مرموقة , أثناء هذه الحرب وقبلها , فقد أزهقت أرواح ملايين المواطنين خلال 35سنة الماضية فقط , القاسم المشترك الأعظم في قتل هؤلاء , القوات المسلحة وجهاز الأمن وكتائب وفصائل المجاهدين والمليشيات القبلية والعرقية التي أنجبها رحم هذا الجيش ورعاها وأطلق يدها . وتلك كانت ممارسة سياسية عنيفة بامتياز . ولم تسفر أي لجنة تحقيق وطنية عن كشف الحقائق ؛ ودوننا مجزرة فض إعتصام القيادة 3يونيو2019م , أمّا رفض التحقيق الدولي فلعل مردّه سياسي بحت , فقد جاءت تحقيقات لجنة القاضي كاسياس ؛ رصينة ودقيقة ومهنية لدرجة أنّ مجلس الأمن الدولي بكامل عضويته قد أحال نتائجها إلى المحكمة الجنائية الدولية في العام 2005م , وعلى رأس المتهمين عمر البشير الذي كان رئيسا للجمهورية بالإنقلاب . وعاشت السيدة المستشارة التجربة بكاملها , فلم تتقدم عدالتها إلى المتهمين بالنصح القانوني العدلي بالذهاب إلى ساحة المحكمة وتبرئة الذمة , بل تحول الموضوع إلى كورال هتافي ساذج مثل الرد بالسد . والسدود ليس من اختصاص وزراة العدل والنيابة العامة على كل حال . هذه هي البيئة التي تعمل فيها السيدة النائبة العامة اليوم لم تتغير , فقد أعاد قائدها قائد الجيش عقارب الساعة إلى الوراء , وأعاد معظم إن لم يك كل رموز التمكين بإنقلاب 25أكتوبر2021م , وقد قال بذلك نائبه وشريكه في الإنقلاب حميدتي فاستحق الويل والثبور .
إنّ المرء ليأسى حينا ويشفق أحيانا على أمثال هؤلاء الناس الذين يزج بهم في معتركات تكشف خوائهم وضعف حيلتهم وتهافت منطقهم , يزج بهم أمام أساطين راسخين في العلم والخبرة والمعرفة والنزاهة , يوضعون أمام الحقائق كما هي وليس كما يشتهون , إنّ حالهم حال من يرمى في اليم مكتوفا ويقال له إيّاك أن تبتل . كان الله في عونهم , ففيهم أمهات وآباء لأطفال أبرياء لا يعرفون ما سيلحق بسيرتهم من خزي جراء ما تغترف أيادي آباء وأمهات ضعفوا أن يكونوا أسوياء .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!