
نجوي بابو
في ظل ظروف تتداخل فيها الحرب مع الفقر والنزوح، تتحول الرعاية الصحية من حق أساسي إلى تحدٍّ يومي معقّد. فحين تنهار الخدمات أو تبتعد، لا يعود المرض مجرد حالة طبية، بل يصبح عبئًا اقتصاديًا وأمنيًا يفوق قدرة كثير من الأسر على الاحتمال.
ومع اقتراب موسم الخريف، تتزايد المخاوف من موجة أمراض جديدة تضرب المجتمعات الأضعف أصلًا. فالأمطار الغزيرة والمياه الراكدة وغياب شبكات الصرف الصحي تخلق بيئة مثالية لتكاثر البعوض، ما يؤدي إلى ارتفاع حاد في حالات الملاريا، إضافة إلى انتشار “حميات الخريف” التي تجهد أنظمة صحية منهكة.
ولا يقف الخطر عند هذا الحد، إذ تؤدي حركة القطعان الموسمية للماشية القادمة من مناطق بعيدة إلى زيادة احتمالات انتقال أمراض مشتركة بين الحيوان والإنسان. ففي غياب الرقابة البيطرية والخدمات الصحية، تنتقل العدوى عبر الذباب والبعوض أو عبر الاحتكاك المباشر، لتظهر في صورة حميات متكررة، وإسهالات، وأمراض تنفسية وجلدية، كثير منها يصعب تشخيصه في الوقت المناسب.
في هذه البيئات، يواجه الناس سلسلة من العوائق تبدأ من ضعف الدخل، ولا تنتهي عند مخاطر الطريق. تكلفة الذهاب إلى المستشفيات الخاصة أصبحت خارج قدرة معظم الأسر، ليس فقط بسبب أسعار العلاج، بل أيضًا بسبب تكاليف النقل والإقامة في مناطق بعيدة قد لا تكون آمنة أو مستقرة.
غياب الأمن يضيف طبقة أخرى من المعاناة. فالسفر للحصول على خدمة طبية قد يعني المرور عبر طرق غير آمنة أو مناطق يصعب التنبؤ بوضعها. هذا الواقع يجعل كثيرًا من المرضى يؤجلون العلاج حتى تتفاقم حالتهم، أو يكتفون بحلول منزلية غير كافية.
النزوح بدوره يضاعف الأزمة. فالأسر التي فقدت منازلها وسبل عيشها تجد نفسها في بيئة جديدة تفتقر إلى الخدمات الصحية الأساسية، بينما تعاني من انقطاع المتابعة الطبية للأمراض المزمنة مثل السكري وضغط الدم وأمراض القلب. ومع الوقت، تتحول هذه الحالات إلى مضاعفات خطيرة كان يمكن تجنبها.
في هذا السياق، تصبح الأمراض المعدية أكثر خطورة، خصوصًا مع ضعف الوقاية وغياب الفحوصات الدورية. ومع انتشار سوء التغذية وضعف المناعة، تزداد هشاشة الأطفال وكبار السن على حد سواء، ويصبح التعافي من أبسط الأمراض أكثر صعوبة وأطول زمنًا.
كما أن أمراض العيون، وأمراض الشيخوخة، والحالات المزمنة، غالبًا ما تُهمَل لأنها لا تُصنَّف كحالات طارئة، رغم تأثيرها العميق على جودة الحياة. فقدان البصر أو القدرة على الحركة لا يهدد الحياة فورًا، لكنه يحدّ من الكرامة والاستقلالية ويزيد من الاعتماد الكامل على الآخرين.
ورغم هذا الواقع القاسي، تبقى هناك حلول ممكنة إذا ما توفرت الإرادة والتدخل المناسب. العيادات المتنقلة، وتوفير الخدمات الأساسية داخل المجتمعات، وتقليل الاعتماد على السفر، يمكن أن تخفف بشكل كبير من العبء. كذلك فإن دعم العلاج المجاني أو منخفض التكلفة، وربط الخدمات الصحية بالمجتمعات المحلية، يقلل من الفجوة بين الحاجة والقدرة.
في أحد الفرقان البعيدة تجلس أم ارملة إلى جوار طفلها الذي ترتفع حرارته منذ أيام. لا هاتف قريب، ولا وسيلة نقل، ولا طريق واضح إلى مستشفى. كل ما تملكه هو الانتظار، والدعاء أن لا يتأخر الوقت أكثر من المرض. وفي بيت آخر، تضع إمرة ثكلى مسنة يدها على عينه التي بدأت تفقد بصرها تدريجيًا البكاء والألم ، وهي تعرف أن علاجها بسيط، لكنه بعيد أكثر مما يستطيع الوصول إليه.
في النهاية، لا تُقاس المأساة فقط بعدد المستشفيات التي هدمت أو الأدوية المنقوصة، بل بعدد اللحظات التي يُترك فيها الإنسان وحيدًا أمام مرض يمكن علاجه لكنه لا يجد إليه سبيلًا. في مناطق الحرب، لا يموت الناس دائمًا بسبب المرض نفسه، بل بسبب المسافة التي تفصلهم عن العلاج، والخوف الذي يمنعهم من السفر، والفقر الذي يغلق أمامهم أبواب المستشفيات. هناك، يصبح الألم صامتًا يتسلل ببطء إلى البيوت، ويستقر في حياة الناس كقدر مؤجل، بينما يبقى أبسط حق العلاج في الوقت المناسب حلمًا بعيدًا ينتظر من يعيده إلى الواقع.




