رأي

حميدتي وخطاب تأسيس الدولة بعد الانهيار

نجم الدين دريسة

نجم الدين دريسة 

ليست القيادة أن تُدير المعركة فقط، بل أن تُقنع شعبًا كاملاً بأن المستقبل ما زال ممكنًا

ثمة لحظات نادرة في تاريخ الشعوب لا تعود فيها الخطابات مجرد كلمات تُلقى في ساحات السياسة أو الميدان، وإنما تتحول إلى علامات فاصلة بين زمنين؛ زمنٍ يتداعى تحت ثقل الفشل التاريخي، وزمنٍ آخر يحاول أن يولد من قلب الخراب. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة خطاب رئيس المجلس الرئاسي بحكومة السلام والقائد العام لقوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو، بمدينة نيالا، باعتباره أحد أكثر الخطابات كثافةً وجرأةً في تاريخ السودان المعاصر، لا لأنه تحدث عن الحرب فقط، بل لأنه أعاد طرح السؤال السوداني القديم بصياغة جديدة: كيف يمكن بناء دولة تتسع لجميع أبنائها بعد عقود من الاحتكار والتهميش والانهيار؟

لقد بدا واضحًا أن الرجل لم يكن يخاطب ضباطه فحسب، وإنما كان يخاطب التاريخ نفسه؛ فالكلمات التي خرجت من نيالا لم تحمل نبرة قائد عسكري يشرح تطورات العمليات، بل نبرة رجل يحاول إعادة تعريف معنى السلطة والدولة والوطن في السودان. ولهذا لم يكن غريبًا أن يتحول الخطاب سريعًا إلى مادة سياسية وفكرية تتجاوز حدود اللحظة العسكرية، لأن ما طُرح فيه لم يكن مجرد توصيف للحرب، وإنما رؤية متكاملة لإعادة بناء السودان من خارج المركز التقليدي الذي احتكر السلطة منذ الاستقلال.

إن أخطر ما كشفته الحرب السودانية ليس فقط هشاشة الدولة، بل هشاشة الفكرة التي قامت عليها الدولة نفسها. فمنذ عقود طويلة، ظلت الخرطوم تُدار بعقلية المركز الذي يرى الأطراف مجرد خزانات بشرية للحروب أو الهوامش الاقتصادية والثقافية التابعة له. لكن نيالا، في خطاب حميدتي، لم تظهر كهامش جغرافي، بل كعاصمة رمزية لميلاد سياسي جديد؛ وكأن الرجل أراد أن يقول إن السودان الجديد لن يُصنع هذه المرة من صالونات النخب المغلقة، وإنما من قلب المناطق التي دفعت أثمان التهميش والحروب لعشرات السنين.

ولعل ما منح الخطاب زخمه الاستثنائي أنه تجاوز الثنائية التقليدية بين العسكري والسياسي؛ إذ مزج بصورة ذكية بين لغة الحسم ولغة البناء، بين مفردات القوة ومفردات الدولة. تحدث عن الجيش، لكنه تحدث أيضًا عن المدارس. تحدث عن العمليات العسكرية، لكنه تحدث كذلك عن الزراعة والاقتصاد والجوازات والخدمات ورعاية أبناء الشهداء. وهذه ليست تفاصيل عابرة، بل مؤشرات على تحوّل عميق في الوعي السياسي للحركة التي يقودها.

فالحروب الحديثة لم تعد تُحسم بالبندقية وحدها، وإنما بالقدرة على بناء “سردية وطنية” تُقنع الناس بأن ثمة مشروعًا يستحق البقاء. ومن هنا جاء تركيز الخطاب على مفاهيم الدولة المدنية، والجيش القومي، ومحاربة التطرف، والتنمية، بوصفها أعمدة لمشروع جديد يسعى إلى تجاوز السودان القديم الذي ظل أسير التحالف بين السلطة العسكرية والهيمنة الأيديولوجية.

لقد أدرك حميدتي، على ما يبدو، أن الأزمة السودانية ليست مجرد أزمة حكم، بل أزمة بنية تاريخية كاملة؛ أزمة دولة أُنشئت على التفاوت، وأُديرت بالعقيدة المغلقة، وأُعيد إنتاجها بالحروب والانقلابات. ولذلك فإن خطابه لم يتعامل مع الصراع باعتباره معركة مواقع عسكرية، بل باعتباره معركة لتحرير الدولة نفسها من الاختطاف الأيديولوجي الذي لازمها منذ انقلاب الإسلاميين عام 1989م.

ومن هنا نفهم لماذا تحدث الرجل عن “التطهير” و”تفكيك الاختراقات” و”تحرير القرار العسكري”، لأن المعركة – وفق رؤيته – ليست فقط ضد خصم يحمل السلاح، وإنما ضد منظومة فكرية وسياسية ظلت تتحكم في الجيش والدولة والمجتمع لعقود طويلة.

غير أن أكثر ما يثير الانتباه في شخصية حميدتي، كما عكستها الحرب وخطاباته الأخيرة، أنه لا يتحرك بعقلية النخب السودانية التقليدية التي أدمنت التنظير وأخفقت في إدارة الواقع. فهو لم يأتِ من المدارس الأيديولوجية القديمة؛ ليس إسلاميًا بالمعنى التنظيمي، ولا يساريًا بالمفهوم الكلاسيكي، ولا أسيرًا للطائفية السياسية التي أنهكت السودان منذ الاستقلال. لقد خرج من عمق المجتمع السوداني البسيط، من الهامش الذي ظل يُنظر إليه طويلًا بوصفه خارج معادلة صناعة القرار، لكنه استطاع أن يفرض نفسه لاعبًا مركزيًا في أخطر لحظة من تاريخ البلاد.

وربما لهذا السبب تحديدًا تبدو لغته أقرب إلى المزاج الشعبي من لغة النخب المعزولة داخل أبراجها الفكرية؛ فهو يتحدث ببساطة لكنها ليست سذاجة، وبحدة لكنها ليست فوضى، وبواقعية لا تخلو من الطموح. والأهم من ذلك أنه يمتلك – بحسب ما يراه مؤيدوه – شجاعة المراجعة والاعتراف بالخطأ، وهي خصلة نادرة في الحياة السياسية السودانية التي كثيرًا ما حكمتها القيادات المغلقة على يقينها المطلق.

لقد ورث السودان، كما قال بعض المفكرين، مؤسسات منهكة وطبقة سياسية لم تتعلم من التاريخ شيئًا، وظلت تعيد إنتاج الأزمات نفسها جيلاً بعد جيل؛ طائفية بلا مشروع، وعسكرتاريا بلا وطنية، وأيديولوجيات تبحث عن حلول الواقع في عوالم الغيب أو في دفاتر التاريخ المنهارة. وفي خضم هذا الانسداد التاريخي، ظهر حميدتي بالنسبة لكثيرين بوصفه تعبيرًا عن لحظة تمرد على السودان القديم، ومحاولة لإعادة بناء المعادلة الوطنية من خارج المنظومات التقليدية التي احتكرت تعريف الوطنية لعقود.

إن الحفاوة الواسعة بخطاب نيالا لم تكن مجرد تفاعل سياسي عابر، بل كانت تعبيرًا عن تعطش قطاعات واسعة من السودانيين إلى خطاب مختلف؛ خطاب لا يكتفي بإدارة الحرب، وإنما يقدم أفقًا للخروج منها. ولهذا وجد كثيرون في حديث الرجل عن التعليم والتنمية والدولة المدنية ومكافحة التطرف محاولة جادة لتأسيس مشروع وطني جديد، لا يقوم على الإقصاء أو الاستعلاء أو احتكار الهوية.

السودان اليوم يقف أمام لحظة إعادة تشكل كاملة؛ لحظة تتصارع فيها مشاريع متعددة حول معنى الدولة وموقع الجيش وطبيعة الهوية الوطنية. لكن ما يبدو واضحًا أن خطاب نيالا لم يكن مجرد خطاب حرب، بل كان إعلانًا عن بداية معركة أكبر: معركة إعادة اختراع السودان نفسه.

وفي النهاية، قد يختلف الناس حول التفاصيل السياسية والعسكرية، لكن ما لا يمكن تجاهله أن الرجل نجح في أن يجعل ملايين السودانيين يشعرون – ولو للحظة – بأن هذا الوطن المنهك ما زال قادرًا على النهوض، وأن التاريخ لم يغلق أبوابه بعد، وأن الشعوب التي عاشت طويلًا على هامش الدولة تستطيع، حين تمتلك الإرادة والرؤية، أن تتحول إلى مركز يصنع المستقبل لا إلى مجرد ضحية له.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!