رأي

الهامش يكتب التاريخ… وسقوط دولة الامتياز يقترب

فيصل أبكر شرف

 

فيصل أبكر شرف

ثورة الخامس عشر من أبريل ليست مجرد مواجهة عسكرية عابرة كما يحاول البعض تصويرها، بل هي لحظة تاريخية مفصلية انفجر فيها وعي الهامش السوداني بعد عقود طويلة من التهميش والإقصاء السياسي والاقتصادي والثقافي الذي مارسته النخبة المركزية المتحالفة مع الحركة الإسلامية. لقد ظلت السلطة والثروة في السودان حبيسة دائرة ضيقة تحتكر القرار وتتعامل مع بقية الأقاليم باعتبارها مجرد خزانات للموارد البشرية والطبيعية، دون الاعتراف بحقوق أهلها في المشاركة العادلة وبناء الدولة.

إن ما يجري اليوم هو صراع بين مشروعين متناقضين: مشروع الدولة القديمة القائمة على الامتيازات التاريخية والهيمنة المركزية، ومشروع السودان الجديد الذي يسعى إلى إعادة تأسيس الدولة على قواعد المواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية وتقاسم السلطة والثروة دون تمييز. ولذلك فإن خروج قوى الهامش في مواجهة سلطة بورتسودان لا يمكن عزله عن السياق الطويل من الظلم والتهميش الذي أنتج الحروب والانقسامات والانهيارات المتكررة.

لقد أدركت جماهير واسعة أن خطاب الكراهية والتخويف الذي تستخدمه بقايا النظام السابق لم يعد قادراً على إيقاف التحولات الجارية، وأن الاحتماء بالشعارات القديمة أو إعادة تدوير أدوات الحركة الإسلامية لن يغير من حقيقة أن السودان القديم يعيش لحظاته الأخيرة. فالثورة الحالية لا تستهدف فقط إسقاط أشخاص أو جماعات، وإنما تستهدف تفكيك البنية السياسية والعسكرية والاقتصادية التي صنعت الأزمة السودانية منذ الاستقلال.

إن معركة اليوم هي معركة من أجل إعادة تعريف الوطن نفسه، وبناء جيش قومي مهني لا يخضع لهيمنة الأيديولوجيات أو النخب الجهوية، ودولة تعترف بكل مكوناتها دون استعلاء أو وصاية. فالهامش الذي دفع أثمان الحروب والنزوح والفقر قرر أخيراً أن يكتب تاريخه بيده، وأن يفرض معادلة جديدة تقوم على الشراكة الحقيقية لا التبعية، وعلى العدالة لا الامتيازات. ولهذا تبدو الثورة مستمرة، لأن جذورها أعمق من أن تُهزم بالقوة أو بالدعاية السياسية، ولأن السودان الجديد أصبح بالنسبة لكثيرين ضرورة تاريخية لا يمكن التراجع عنها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!