رأي

“جمهورية الوهم… حين يتألّم الشعب المعلّم” شعب المعلّم… حين يتألّم

حسن النعمان

 

حسن النعمان

لقد عشنا طويلًا في أوهامٍ نُسجت معنا منذ نعومة أظافرنا؛ أوهام تقول إننا “الشعب المعلّم”، الذي علّم العرب ما لم يعلموا. قيل لنا إننا من صبغ السماء بزرقتها، وكحّل النجوم ببريقها، وإننا في الجيوسياسة واضعو القوانين والسنن، حتى قيل لغيرنا: “اذهبوا إلى السودان”.

وفي الرياضة، صُوِّر لنا أننا المؤسسون، وأننا من أشعلنا شرارة البدايات في أفريقيا، حتى صار الوهم يقينًا، واليقين غرورًا، والغرور ستارًا كثيفًا يحجب عنا رؤية حقيقتنا.

لقد أشبعونا بالأوهام… حتى صدّقنا أن رجلًا من أهل التصوف ضرب التمساح فصار حجرًا، وأن آخر كانت السحب تتبعه حيث سار، وثالث شرب البحر فلم يظمأ. حكاياتٌ سُكبت في وعينا كما تُسكب المُخدِّرات في العروق، لا لتبني إنسانًا، بل لتُخدّر شعبًا.

وهكذا جُعلنا نمنّ على الشعوب بتلك الأوهام الواهية، حتى استفقنا على فراغٍ مُفزع: لا شيء بين أيدينا سوى ادعاءاتٍ موروثة. نعم، لدينا بروفيسورات ودكاترة ورجال علم، ولدينا جامعة الخرطوم التي قيل يومًا إنها الثالثة عالميًا، لكننا في أرض الغير آمنون، وفي أرضنا لصوص.

كنا نردد:

“بلادي… حتى الطير يجيها جيعان من تِكّيها شبع”،

لكن الواقع يصفعنا كل يوم: أهل دارفور يأكلون صفق الشجر، والجوع يطوف بالبيوت كما يطوف الليل بلا قمر.

بلغ بي الخجل من نفسي حدًّا جعلني أتجنّب المرآة؛ كأنها تسألني في صمتٍ قاسٍ:

ألا تستحي من وجهك الكاذب؟

حتى الكتب، الروايات، والتاريخ، امتلأت بالعِبر التي لم نتّعظ بها. بل إنني، حين أرى جدي يفتح القرآن الكريم، ينتابني شعورٌ غريب، كأن الكتاب نفسه يرفض القراءة، لأن من لا يعمل به لا يستحق تلاوته.

لقد كنا… ويا ليتنا لم نكن على هذا النحو.

ما نحن عليه الآن أشبه بأوراق خريفٍ تتقاذفها رياح الشتاء بلا وجهة، بلا جذور، بلا قرار. بوصلة ساساتنا سقطت في أول امتحان؛ الناجح فيهم درجته صفرٌ أحمر، أما الساقطون… فهم ساقطون بلا حاجة إلى توصيف.

أتذكر، في عام 1988، حين قرأت قصيدة للشاعر نزار قباني يرثي فيها زوجته بلقيس. يومها استوقفتني عبارته:

“إن عفافنا عهرٌ، وتغوّينا غزارة…

لا فرق بين السياسة والدعارة.”

اشمأززتُ حينها من قسوة العبارة، واعتبرتها مبالغة جارحة. لكن الخامس عشر من أبريل جاء ليكشف الغطاء، ويعرّي الحقيقة، ويتركنا — كما يقول الشعب السوداني — في الصقيعة.

وفي بعض البلاد، حتى المومسات شريفات، لأنهن يدفعن الضرائب.

أما ساساتنا… فلا قول يُقال.

شكرًا لذلك اليوم،

الذي لم يأتِ بخير، لكنه أزال الوهم…

فمن نحن؟

أشعبٌ كان يختبئ خلف الأساطير حتى نسي أن يصنع واقعه؟

أم أمةٌ تاهت بين ما قيل لها وما عجزت عن أن تكونه؟

ذلك هو السؤال… الذي لم نجرؤ بعد على الإجابة عنه.

1988 — ذكرى القصيدة

15 أبريل 2023 — انكشاف الوهم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!