رأي

السودان واقتصاد الالتزام المتصاعد: كيف تتحول الحرب إلى نظام يخشى نهايته أكثر مما يخشى استمرارها

منال علي محمود

 

منال علي محمود

manal002002@gmail.com

في علم الإدارة والسلوك السياسي يوجد مفهوم يعرف بـ Escalation of Commitment ويشير إلى استمرار الأفراد أو المؤسسات في قرار فاشل بسبب حجم ما تم استثماره فيه مسبقا من مال ونفوذ وسمعة ووقت

ومع تراكم هذه الاستثمارات يصبح التراجع أقل منطقية من الاستمرار حتى لو أصبحت كلفة الاستمرار أعلى

الحقيقة التي يشرحها هذا المفهوم هي أن بعض الحروب لا تستمر لأنها قابلة للربح بل لأنها تصل إلى نقطة يصبح فيها التوقف أعلى كلفة من مواصلة الطريق نفسه

الحرب السودانية انتقلت تدريجيا من صراع عسكري مباشر إلى شبكة من الالتزامات السياسية والاقتصادية والإعلامية

خطاب الحسم السريع تحول إلى خطاب الكرامة ثم إلى معركة وجود ثم إلى سرديات مغلقة تجعل أي خيار خارج الحرب يبدو وكأنه انهيار شامل للدولة والمعنى

في هذا السياق لم يعد العنف مجرد نتيجة للصراع بل أصبح جزءا من آلية بقائه

الخسائر تستخدم لتبرير خسائر إضافية والضحايا يتحولون إلى مبرر للاستمرار بدل أن يكونوا سبب للمراجعة

الإنفاق العسكري الضخم لا يضيف فقط قوة ميدانية بل يخلق ارتباطا سياسيا ونفسيا بمسار الحرب لأن الاعتراف بعدم جدوى هذا الإنفاق يصبح أكثر كلفة من مواصلته

ومع توسع شبكات الضغط السياسي وشركات العلاقات العامة والتمويلات الخارجية تشكلت حول الحرب دائرة مصالح غير مباشرة تتغذى على استمرارها بقدر ما تحاول التأثير فيها

حين توجه موارد ضخمة لصفقات عسكرية في بلد تتآكل فيه الخدمات الأساسية فإن القرار لا يقتصر على المجال العسكري بل يعكس إعادة ترتيب كاملة لأولويات الدولة نحو الاستهلاك بدل البناء

والأخطر أن الحرب لا تكتفي بتدمير البنية الحالية بل تخلق عبئا مستقبليا لإعادة الإعمار

فكل منشأة تدمر اليوم تعود غدا كتكلفة مضاعفة مما يحول البنية التحتية نفسها إلى جزء من دورة استنزاف طويلة الأمد

وبهذا تصبح القرارات العسكرية جزءا من اقتصاد ممتد لا ينفصل فيه الفعل عن نتائجه المالية والسياسية

المفارقة أن هذا النمط لا يقتصر على السودان

في رواندا أدى تصاعد خطاب الهوية والخوف قبل 1994 إلى انغلاق تدريجي في خيارات السياسة انتهى بانفجار اجتماعي شامل حيث وصل التصعيد إلى نقطة فقدت فيها الدولة قدرتها على ضبط مسار الأحداث وتحولت القرارات المتراكمة إلى مسار خارج السيطرة

وفي سوريا تحولت الحرب مع الوقت إلى منظومة نفوذ واقتصاد وسلطة بحيث أصبح إنهاؤها تهديدا لمراكز قوى نشأت داخلها بقدر ما هو فرصة للاستقرار

في كلا الحالتين لم يعد الصراع مجرد مواجهة بل بنية معقدة تحدد سلوك الفاعلين حتى بعد فقدان منطق البداية

ومع امتداد الزمن لا يعود السؤال كيف تحسم الحرب بل كيف يمكن تفكيك نظام أصبح جزءا من طريقة عمل الدولة نفسها

الحروب الممتدة تخلق شبكات اقتصادية متداخلة تشمل السلاح والمساعدات والعقوبات والاستشارات الأمنية والعلاقات العامة وإدارة التفاوض

ومع الوقت لا تبقى هذه الشبكات مرتبطة بوجود الحرب فقط بل تصبح جزءا من استقرار حد أدنى منها

في هذا السياق يصبح الصراع حالة إدارة مستمرة أكثر من كونه أزمة قابلة للحل النهائي

السؤال الأعمق هنا لا يتعلق بالأطراف وحدها بل بطبيعة الحوافز التي تولدها بيئة الحرب نفسها

هل يمكن أن تتحول الأزمة إلى وضع أكثر فائدة لبعض الفاعلين من إنهائها

كلما توسعت مصالح الحرب تقلصت مساحة الاستقرار كخيار واقعي

فالسلام لا يعني فقط وقف العنف بل تفكيك شبكة كاملة من المصالح التي تشكلت حول استمرار الوضع وهو ما يجعل الخروج من الحرب أكثر تعقيدا من الدخول فيها

في هذه اللحظة لا تعود الحرب مشروعا يمكن إنهاؤه بسهولة بل تصبح نظاما حساسا لأي تغيير جذري لأنه يهدد توازنات داخلية نشأت داخله

ومع ذلك هذا النظام يظل غير مستقر بطبيعته لأنه يعتمد على استنزاف الموارد بدل إنتاجها

فالتنمية تحتاج إلى مؤسسات وقانون واستقرار وإنتاج بينما الحرب تعيد توجيه كل هذه العناصر بعيدا عن وظيفتها الأصلية

الموانئ لا تعمل في الفوضى والزراعة لا تنمو في اقتصاد السلاح والتجارة لا تستقر في ظل اضطراب مستمر

أما رأس المال الحقيقي فيبحث عن بيئة مستقرة بينما رأس المال المرتبط بالأزمات ينكمش بانتهائها

أحد أكثر الأوهام انتشارا في الحروب الحديثة هو الاعتقاد بأن إدارة الأزمة يمكن أن تتحول إلى بديل دائم عن حلها

لكن التجربة في رواندا وسوريا وغيرها تشير إلى أن الأنظمة التي تطيل عمر الصراع لا تكتفي باستمرار الصراع في صور مختلفة بل تضعف البنية التي تسمح بإدارته أصلا

السودان اليوم يقف داخل حلقة مغلقة حيث يصبح الخروج من الحرب أكثر تعقيدا من استمرارها ليس لغياب الحلول بل لأن كلفتها أصبحت مرتبطة ببنية اقتصادية وسياسية تشكلت داخل الحرب نفسها

الخلاصة أن الحرب في السودان لم تعد فعلا سياسيا بين أطراف بل تحولت إلى بنية مغلقة من المصالح والقرارات تجعل الاستمرار فيها أسهل من تفكيكها رغم أنها تستهلك الدولة التي تقوم عليها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!