رأي

جمهورية الوهم… حين يتألّم الشعب المعلّم

حسن النعمان

 

حسن النعمان

ظلّ السودانيون لعقود طويلة يعيشون داخل سرديةٍ صنعتها العاطفة أكثر مما صنعتها الوقائع. سردية “الشعب المعلّم” الذي قيل إنه علّم محيطه العربي والأفريقي، وأسهم في تشكيل الوعي والثقافة والسياسة في المنطقة. ومع مرور الزمن، تحولت هذه العبارات من مجرد أوصافٍ رمزية إلى يقينٍ جمعيٍّ راسخ، حتى أصبح النقد يُنظر إليه كخيانة، والمراجعة كضعف، والاعتراف بالأخطاء كإهانة للذات الوطنية.

لقد نشأنا على تمجيد الذات بصورةٍ مبالغ فيها، بينما كانت الدولة تتآكل ببطء من الداخل. فبدلاً من بناء مؤسسات حديثة تحفظ كرامة الإنسان وتصون الحقوق، انشغلنا بترديد الحكايات والأساطير، وبالغنا في الاحتفاء بالماضي حتى فقدنا القدرة على مواجهة الحاضر بصدق.

لا أحد ينكر أن السودان أنجب علماء ومفكرين وأساتذة تركوا أثرًا كبيرًا في المنطقة، ولا أحد يستطيع التقليل من قيمة الإرث الثقافي والتاريخي لهذا البلد. لكن المشكلة الحقيقية لم تكن يومًا في نقص القدرات، بل في العجز عن تحويل تلك القدرات إلى مشروع وطني متماسك ينهض بالدولة ويحمي المجتمع من الانهيار.

كنا نفاخر بأن السودان “سلة غذاء العالم”، بينما كان الجوع يتمدد في أطراف البلاد. وكنا نتغنى بكرم الإنسان السوداني ونبله، في وقتٍ أصبح فيه المواطن عاجزًا عن تأمين أبسط مقومات الحياة من أمنٍ واستقرارٍ وخدمات. لقد كانت الهوة تتسع بين الصورة التي رسمناها لأنفسنا وبين الواقع الذي نعيشه يوميًا.

ثم جاءت الحرب، لا باعتبارها حدثًا عابرًا، بل كمرآةٍ قاسية كشفت هشاشة كل شيء. كشفت ضعف الدولة، وارتباك النخب، وانهيار الخطاب الوطني الذي ظل لعقود يهرب من مواجهة الأسئلة الحقيقية. سقطت الأقنعة دفعةً واحدة، وبدا السودان كأنه يقف عاريًا أمام تاريخه وأمام شعبه.

في لحظات الانهيار الكبرى، لا تنفع الشعارات، ولا تكفي الأساطير لصناعة وطن. فالأمم لا تُبنى بالمبالغات، وإنما بالوعي والنقد والمراجعة الصادقة. وما أوصلنا إلى هذا المآل ليس فقط فشل السياسيين، بل أيضًا ذلك الميل الجماعي إلى تضخيم الذات والهروب من الاعتراف بالأخطاء البنيوية التي صاحبت تأسيس الدولة السودانية الحديثة.

لقد آن الأوان لنسأل أنفسنا بصدق: ماذا فعلنا بكل ما نملكه من موارد وتاريخ وكفاءات؟ وكيف تحوّل بلدٌ بهذه الإمكانيات إلى ساحة حربٍ ونزوحٍ ومجاعة؟ ولماذا ظلت الدولة عاجزة عن إنتاج مشروع وطني يتجاوز الانقسامات والأوهام؟

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الأمم ليس الفقر أو الحرب وحدهما، بل العيش داخل وهمٍ طويل يجعلها عاجزة عن رؤية حقيقتها. والحقيقة المؤلمة اليوم أن السودان لا يحتاج إلى مزيدٍ من تمجيد الذات، بل يحتاج إلى شجاعة الاعتراف بالفشل، وإلى بناء وعيٍ جديد يقوم على العمل والمعرفة والمحاسبة، لا على الحنين والأساطير.

ربما كانت قسوة هذه المرحلة ضرورية كي نستيقظ أخيرًا من جمهورية الوهم، وندرك أن الشعوب لا تُقاس بما تقوله عن نفسها، بل بما تنجزه على أرض الواقع. وأن احترام العالم لا يُمنح لمن يكثر الحديث عن أمجاده، بل لمن ينجح في بناء دولة عادلة تحفظ كرامة مواطنيها وتصنع مستقبلهم.

ذلك هو الدرس القاسي الذي فرضته الحرب، وذلك هو السؤال الذي لا يزال ينتظر الإجابة:

هل نملك الشجاعة لنرى أنفسنا كما نحن، لا كما تخيلنا أنفسنا طويلًا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!