
د.تيسير مصطفي
السودان وإسرائيل و اتفاقيات أبراهام: إرثٌ طويل لم ينتهِ أبداً

لماذا قد تكون اتفاقيات أبراهام الطريق الواقعي الوحيد نحو السلام والسيادة والازدهار في السودان
كان هناك يوماً سودانٌ مختلف تماماً عن ذلك الذي يراه العالم اليوم.
سودانٌ كانت شوارع الخرطوم فيه تحمل أصوات ثقافات متعددة. سودانٌ عاش فيه المسلمون والمسيحيون واليهود ،والكجور وال لا دينيين جنباً إلى جنب، يتاجرون معاً في الأسواق، ويتشاركون الطعام، ويبنون الأعمال التجارية، ويربّون العائلات معاً. سودانٌ كان منفتحاً على العالم عبر التجارة والحرف اليدوية والضيافة وروح التعايش.
لا يزال كبار السن من السودانيين يتذكرون تلك الأيام.
يتذكرون التجار اليهود في الأسواق الشعبية، ويتذكرون المعابد اليهودية التي كانت تقف بسلام إلى جانب المساجد والكنائس. ويتذكرون عائلات مثل نسيم قاوون وموسى ساسون ليفي، وهي أسماء أصبحت جزءاً من التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للسودان. وكثيرون يرددون بهدوء الفكرة نفسها:
كان السودان أقوى عندما كانت الجالية اليهودية جزءاً من نسيجه الاجتماعي.
اليوم، وبعد عقود من الديكتاتورية والتطرف والفساد والعزلة، ثم حرب أهلية مدمرة تدخل عامها الرابع، يبدو السودان وكأنه بلد فقد جزءاً من روحه واستقراره.
مدنٌ كاملة دُمّرت. ملايين شُرّدوا. وأجيالٌ من الشباب السوداني نشأت وسط الصراع بدلاً من الفرص.
ومع ذلك، وتحت هذا الركام، يقبع واحد من أغنى بلدان العالم بالموارد.
يمتلك السودان أراضٍ زراعية هائلة قادرة على إطعام ملايين البشر. ويقع على طرق استراتيجية في البحر الأحمر تُعد حيوية للتجارة العالمية. كما تحتوي أراضيه على عناصر أرضية نادرة ومعادن استراتيجية ضرورية لمستقبل الذكاء الاصطناعي، والرقائق الإلكترونية المتقدمة، والطاقة المتجددة، ومراكز البيانات.
العالم يتحرك بسرعة نحو عصر تكنولوجي جديد — عصر يقوده الذكاء الاصطناعي والطاقة الخضراء وأشباه الموصلات والبنية الرقمية الضخمة.
والسودان يجلس فوق كثير من المواد الخام اللازمة لبناء هذا المستقبل، لكن ما نراه اليوم للأسف هو استمرار سياسات الاستخراج ونتائجها الكارثية.
والحقيقة الخطيرة هي:
إذا ظل السودان غارقاً في الحرب والعزلة، فإن هذه الموارد لن تختفي فقط ، بل ستسقط بشكل أعمق في أيدي المهربين وأمراء الحرب والفاسدين والجماعات المتطرفة وشبكات الوكلاء الأجنبية.
وسيظل الشعب السوداني يعاني الفقر بينما يربح الآخرون من ثروات بلده.
ولهذا بدأ كثير من المفكرين السودانيين يعتقدون أن اتفاقيات أبراهام لم تعد مجرد خيار دبلوماسي للسودان، بل أصبحت ضرورة وجودية. ليس فقط من أجل التطبيع مع إسرائيل، بل من أجل البقاء نفسه.
لأن اتفاقيات أبراهام تقدم شيئاً لم يعرفه السودان منذ عقود:
إطاراً قائماً على الابتكار والاستثمار والتعايش والازدهار المشترك، بدلاً من الأيديولوجيا أو الهيمنة العسكرية أو التلاعب السياسي.
ولفترة طويلة، جرى الحديث عن علاقة السودان بإسرائيل فقط من زاوية السياسة والصراع. لكن كثيراً من السودانيين اليوم يعيدون اكتشاف شيء أقدم وأعمق من السياسة: رابطاً تاريخياً مشتركاً.
لقد عاشت المجتمعات اليهودية السودانية في السودان لأجيال طويلة. وتأثر الجميع ببعضهم البعض في الطعام والتجارة واللغة والحرف والثقافة التجارية. كما حدثت زيجات مختلطة، ونشأت علاقات طبيعية بين مختلف المكونات الاجتماعية.
وحتى اليوم، يكتشف بعض السودانيين الذين يبحثون في أصولهم وجود آثار لتراث يهودي في تاريخ عائلاتهم — تذكيراً بقرون من التعايش على امتداد وادي النيل وممر البحر الأحمر.
وبالتالي، فإن التطبيع مع إسرائيل لا يبدو بالنسبة لكثير من السودانيين وكأنه استيراد لشيء غريب، بل أشبه بإعادة التواصل مع جزء منسي من السودان نفسه.
وبعيداً عن البعد التاريخي، هناك واقع عملي واضح.
فإسرائيل اليوم ليست مجرد دولة أمنية، بل تُعد واحدة من أبرز المراكز العالمية في مجالات:
• الذكاء الاصطناعي
• إدارة المياه
• الزراعة الصحراوية
• الطاقة المتجددة
• التكنولوجيا الحيوية
• التكيف المناخي
• التكنولوجيا المالية والترميز الرقمي
• ومنظومات الشركات الناشئة المتقدمة
وهذه بالضبط هي التقنيات التي يحتاجها السودان بشدة.
ومع القوة المالية واللوجستية لدولة الإمارات العربية المتحدة، والقدرات المؤسسية والتكنولوجية للولايات المتحدة، يمكن أن يتحول السودان إلى شيء مختلف تماماً عن الصورة التي يراها العالم اليوم.
يمكن أن يصبح:
• قوة استقرار في ممر البحر الأحمر
• مركزاً للأمن الغذائي لأفريقيا والشرق الأوسط
• شريكاً في التعافي المناخي
• ومورداً استراتيجياً لاقتصاد الذكاء الاصطناعي والطاقة الخضراء العالمي
ولهذا يرى مؤيدون كثر أن السودان يجب أن يصبح جزءاً من منظومة اتفاقيات أبراهام بشكل عاجل واستراتيجي.
لأن السودان، من دون هذا الاندماج، قد يظل ساحة صراع يتنافس فيها الآخرون على الموارد بينما يستمر السودانيون العاديون في المعاناة.
أما إذا أصبح جزءاً من اتفاقيات أبراهام، فقد يتمكن أخيراً من إيقاف الحرب المدمرة، وإنقاذ السودانيين، واستعادة ما كان يمتلكه يوماً:
انفتاحه،
وكرامته،
وروحه العالمية،
ومكانته كجسر بين أفريقيا والشرق الأوسط والعالم الأوسع.
وربما لم يعد السؤال الحقيقي هو ما إذا كان ينبغي للسودان أن يطبع علاقاته مع إسرائيل.بل ربما أصبح السؤال الحقيقي هو:
هل يستطيع السودان أن يتحمل عدم القيام بذلك؟ والإجابة واضحة و السعي الي الانضمام الي الاتفاقيات الإبراهيمية اصبح ضرورة قصوي وليس خيارا .




