رأي

الأزمات ميزان الرجال، والكفاءة رمانة الميزان في بناء دولة المؤسسات

د.محمد عمر كرتكيلا

 

دكتور محمد عمر كرتكيلا

الأوطان تُبنى بسواعد أبنائها، هذه هي الفلسفة المنطقية كمدخل لفهم طبيعة التركيبة البنيوية للدولة الحديثة بمنظور وزوايا مختلفة في تكوين ونشأة الدول الحديثة.

ولكن عندما تكون قوة المال هي التي تشتري القانون، ونفوذ العشيرة هو الذي يلغي المؤسسات، وسطوة الواسطة هي التي تحرق الكفاءة والموهبة، وهيمنة القوة هي التي تصادر كل قرار مصيري، هنا تصبح القضية في مفترق طرق.

عبارة “ما في قبيلة بتحكم دولة” هي رمانة ميزان دولة المؤسسات والكفاءات. الدول الحديثة والمتطورة تُبنى بالعلم والمعرفة اللذين يمثلان القالب الصحيح للرؤى والأفكار والخطط المستقبلية لبناء وتأسيس دولة العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية والدستور الحافظ لحقوق ومكتسبات الشعوب.

فشل الدولة السودانية منذ قبل الاستقلال

السودان مثله مثل كثير من الدول التي نالت حظها من الاستعمار في مراحل مختلفة، اكتوى بنيران الظلم والاضطهاد والفساد والمحسوبية التي ورثها المستعمر للنخب السياسية التي هيمنت وسيطرت واختطفت الدولة السودانية، وظلت طيلة فترة السبعين عاماً متحكمة في مفاصل البلاد بالحديد والنار.

ومن أخطر سياسات النخب إقصاء الكوادر الوطنية ذات الكفاءة المهنية والفطرة الربانية، وتعتبر واحدة من أس المشكلة السودانية، ثم الظلم والاضطهاد والعدوان على مجتمعات ومكونات محسوبة على جغرافيا محددة وشاسعة من هذا الوطن.

عدم الرؤية الوطنية

كل الحروب الأهلية والانقسامات والجراحات التي عانى منها الوطن هي نتيجة لعدم رؤية وطنية واضحة ومسؤولية تاريخية لهذه النخب التي مارست كل أنواع التجارب الفاشلة التي أقعدتنا ومزقت الوطن وجعلتنا في حالة حروب مستمرة وتشظٍ وانشطارات وانقسامات. كل هذا كان بقصد أو دونه، ولكن في المقام الأول كان بسبب غياب الرؤية الوطنية التي تمثل المخرج من الأزمات التاريخية وتصحيح المفاهيم القديمة المغلوطة.

الكفاءة هي رمانة ميزان دولة المؤسسات

الأوطان تُبنى بسواعد أبنائها الأكفاء المتعلمين والمثقفين. بالعلم تُبنى الشعوب والمجتمعات والدول التي تناطح السحاب، والأمثلة كثيرة في ذلك: الصين، سنغافورة، اليابان، ماليزيا، كوريا، رواندا، أمريكا، ودولة الإمارات العربية المتحدة. كل هذه الدول قامت بالعلم والمعرفة.

السودان بلد متعدد الأعراق والإثنيات واللغات والثقافات والحضارات، وهذه ميزة ربانية إذا ما تم استغلالها بالطريقة المثلى نجعل من هذا البلد سنغافورة أفريقيا.

لدينا من القوى البشرية والكوادر الوطنية المخلصة لهذا البلد من الأطباء والمهندسين والقانونيين والاقتصاديين والسياسيين والمعلمين والمهنيين بشتى تخصصاتهم، بالإضافة إلى الثروة الاقتصادية من معادن وثروة حيوانية وزراعية وبترول وغيره.

تعتبر القوى البشرية والاقتصادية هي العمود الفقري للدولة، فقط تنقصنا الرؤية الوطنية والمسؤولية التاريخية التي هي من أولويات الكفاءات الوطنية التي تحمل هم البلاد والعباد، تلك الأرواح الشبابية التي تحركها الدماء الحارة والعقول النيرة التي تشتعل في الظلام لترسم وتخطط لبناء وتأسيس دولة القانون والمؤسسات، التي يمثل الأمن والأمان والاستقرار الأرضية الصالحة التي تقام عليها أعمدة الدولة من الصحة والتعليم والبنية التحتية ومعاش الناس.

الصحة هي إحدى مرتكزات وعناصر الدولة الأساسية والمحورية لبناء مجتمعات ومكونات اجتماعية قوية وصحية ومعافاة حتى تنتج وتساعد في البناء الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

العقل الاستراتيجي السليم في الجسم السليم، لذلك فإن الاهتمام بمجال الصحة والتعليم من أولويات الحكومات الوطنية.

السبت ٩ مايو ٢٠٢٦م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!