بين الأبارتهايد و الهيمنة النخبوية: مقارنة في تجربة جنوب أفريقيا و السودان
بروفيسور سيف الدين عبد الرحمن

بروفيسور/ سيف الدين عبد الرحمن
السودان: دولة النخبة أم دولة الأمة؟ (2)
لم يعرف السودان يومًا نظامًا عنصريًا صريحًا مثل نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا. و مع ذلك فإن تاريخ الدولة منذ الاستقلال يكشف عن شكل آخر من الهيمنة أكثر تعقيدًا و أقل وضوحًا. فبينما كانت القوانين في ظاهرها تتحدث عن دولة لكل المواطنين، تشكلت في الواقع بنية سياسية احتكرت فيها شبكات محدودة من النخب السلطة و الثروة. لم يكن هذا الاحتكار مكتوبًا في الدستور، لكنه كان حاضرًا في مراكز القرار و في طريقة إدارة الدولة نفسها.
عندما نال السودان استقلاله عام 1956 كان الأمل كبيرًا في بناء دولة وطنية حديثة تمثل تنوع البلاد الثقافي و الإثني الواسع. غير أن التجربة السياسية التي تلت الاستقلال سارت في اتجاه مختلف. فبدل أن تتشكل الدولة على أساس المواطنة المتساوية، نشأ نمط من الهيمنة السياسية يمكن وصفه بالهيمنة النخبوية.
لم يكن هذا النظام معلنًا في قوانين واضحة كما في الأبارتهايد، لكنه ظهر عمليًا في احتكار السلطة و الثروة من قبل شبكات محدودة من النخب السياسية و الاجتماعية. و قد تجسد ذلك في تركّز السلطة داخل المركز السياسي، و إقصاء قطاعات واسعة من المجتمع و الأقاليم من المشاركة الفعلية في الحكم و تقاسم الموارد.
تشكلت هذه الهيمنة عبر تحالف غير مكتوب بين نخب جهوية متمركزة في الوسط النيلي و جنوب وادي النيل، و بيوتات دينية ذات نفوذ اجتماعي واسع، إلى جانب نخب بيروقراطية و عسكرية تخرجت من مؤسسات الدولة الحديثة التي أنشأها الاستعمار.
و قد لعبت بيوتات دينية مؤثرة مثل أسرتي عبد الرحمن المهدي و علي الميرغني دورًا مهمًا في تشكيل الحياة السياسية عبر الأحزاب الكبرى مثل حزب الأمة القومي و الحزب الاتحادي الديمقراطي.
أما المؤسسة العسكرية فقد تحولت تدريجيًا إلى اللاعب الأكثر تأثيرًا في السياسة السودانية. فمنذ انقلاب إبراهيم عبود عام 1958 مرورًا بانقلاب جعفر نميري عام 1969 وصولًا إلى انقلاب عمر البشير عام 1989 أصبحت القوات المسلحة الفاعل الحاسم في انتقال السلطة.
غير أن الإشكالية التي يشير إليها العديد من الباحثين تكمن في أن هذه المؤسسة لم تتطور تاريخيًا كمؤسسة وطنية جامعة تعكس التعدد الاجتماعي و الإقليمي في البلاد، بقدر ما ظلت متأثرة بالبنية الاجتماعية و السياسية للنخب المركزية.
وهكذا نشأت دولة يتركز القرار فيها داخل مركز سياسي محدود، بينما ظلت الأقاليم البعيدة عن هذا المركز تعاني من التهميش السياسي و الاقتصادي، الأمر الذي ساهم في تفاقم الأزمات الوطنية و اندلاع النزاعات في أطراف البلاد.
لكن التاريخ السوداني لم يكن مجرد قصة هيمنة، بل كان أيضًا قصة مقاومة. فقد شهدت البلاد موجات متكررة من الاحتجاجات و الانتفاضات الشعبية التي حاولت كسر هذا النمط من السيطرة و إعادة تعريف الدولة.
و هنا يبرز السؤال الأكثر أهمية؛ هل استطاعت هذه المقاومة أن تتحول إلى مشروع وطني قادر على إعادة بناء الدولة السودانية على أسس جديدة؟
فالسودانيون نجحوا أكثر من مرة في إسقاط أنظمة الحكم، لكن التحدي الأكبر لم يكن في إسقاط السلطة بل في إعادة تأسيس الدولة نفسها. كيف قاوم السودانيون هذه الهيمنة عبر التاريخ؟ وهل يمكن أن تتحول تلك المقاومة إلى مشروع وطني جامع؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه في الجزء الثالث.
سنواصل…




