رأي

إلى أين نحن ماضون؟

د.اخلاص قرنق

 

د.إخلاص قرنق 

في وطنٍ كان يُغني للحياة، صار الناس فيه يتهامسون خوفاً من صوت الطائرات، ويتلفتون حولهم قبل أن ينطقوا بكلمة “سلام”. السودان الذي كان يُعرف بأرض الطيبة والنيلين، أصبح اليوم ساحة مفتوحة للموت المجاني، والدمار المنهجي، والتحريض المستمر على استمرار الحرب وكأنها قدرٌ مقدس لا يجوز الاقتراب منه.

المؤلم ليس فقط هدير المدافع، بل ذلك الإصرار العجيب من قيادة الجيش على إغلاق كل نافذة يمكن أن يدخل منها الأمل. كلما لاحت فرصة لوقف النزيف، خرجت أصوات تعبئ الناس للحرب، وتصور السلام كأنه خيانة، وكأن الوطن لا يُبنى إلا فوق جماجم أبنائه. الأخطر من ذلك أن بعض أهل الفن والثقافة — الذين يفترض أن يكونوا صوت الوجدان الإنساني — تم تجنيدهم ليصبحوا أبواقاً للمعركة، يزرعون الكراهية في الأغاني والمنصات، ويحولون الفن من رسالة حياة إلى طبول حرب.

أي انحدار هذا الذي يجعل الفنان يحتفل بالموت بدلاً من أن يبكي على الأطفال الذين احترقت أحلامهم؟

وأي وطن هذا الذي صار فيه الحديث عن السلام جريمة، بينما الدعوة لاستمرار الحرب بطولة؟

خطابات قائد الجيش عبد الفتاح البرهان تمضي في اتجاه واضح: المزيد من الحرب، المزيد من التعبئة، المزيد من تقسيم السودانيين إلى معسكرات متناحرة. لغة لا تحمل مشروع دولة بقدر ما تحمل مشروع معركة مفتوحة بلا نهاية. خطاب يراهن على الحسم العسكري رغم أن عامين من النار أثبتا أن السودان كله هو الذي يُهزم كل يوم.

في المقابل، يظهر خطاب محمد حمدان دقلو “حميدتي” مختلفاً في نبرته السياسية، حين يتحدث عن الدولة المدنية، وعن بناء جيش قومي موحد بعيد عن احتكار السلطة، وعن أهمية التعليم والتنمية وفتح الطريق أمام سودان جديد لا تحكمه النخب القديمة ولا عقلية الحرب الدائمة. قد يختلف الناس حول الرجل، وقد تختلف المواقف السياسية، لكن من الإنصاف الاعتراف بأن الحديث عن الدولة المدنية والسلام يظل أقرب لنبض المواطن المنهك من صوت البنادق.

السوداني البسيط اليوم لا يريد انتصارات وهمية تُعلن في نشرات الأخبار، بينما هو يبحث عن رغيف الخبز وجرعة الدواء ومكان آمن ينام فيه أطفاله. لا يريد شعارات الحرب إلى الأبد، بل يريد دولة تحترم إنسانيته، جيشاً قومياً يحمي الجميع، وتعليماً يعيد لأطفاله حقهم في المستقبل.

لقد تحولت الحرب إلى تجارة سياسية عند البعض، وإلى وسيلة للبقاء في السلطة عند آخرين، بينما الشعب وحده يدفع الفاتورة: نزوح، جوع، اغتصاب، انهيار تعليم، وخراب مدن كانت تضج بالحياة. وحتى الذين يصفقون للحرب من خلف الشاشات، لن ينجوا من نارها عندما تلتهم ما تبقى من السودان.

إن السؤال الحقيقي اليوم ليس: من سينتصر في الحرب؟

بل: ماذا سيتبقى من السودان إذا استمرت؟

هل سنورث أبناءنا وطناً، أم مجرد مقابر واسعة تحمل اسم وطن؟

خاتمة

التاريخ لا يرحم. وسوف يأتي يوم يُسأل فيه الجميع:

أين كنتم عندما كان السودان يحترق؟

هل كنتم تدعون للسلام أم تنفخون في نار الحرب؟

هل كنتم تبنون وطناً أم تهدمونه بالشعارات والرصاص؟

السودان لا يحتاج إلى مزيد من الجنرالات الذين يتحدثون بلغة الدم، بل يحتاج إلى رجال دولة يؤمنون بأن قيمة الإنسان أكبر من كرسي السلطة. لا يحتاج إلى فنانين يرقصون على جراح الناس، بل إلى أصوات توقظ الضمير الوطني.

لقد تعب الشعب، وجاع الشعب، ونزح الشعب، ولم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات العسكرية. ومن يظن أن الحرب يمكن أن تصنع وطناً موحداً، فهو لم يقرأ التاريخ جيداً.

فالأوطان تُبنى بالعدالة، والتعليم، والسلام…

لا بالدبابات، ولا بالكراهية، ولا بأغاني الموت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!