
نجم الدين دريسة
أخطر الجماعات ليست تلك التي تحمل السلاح فقط، بل تلك التي تجعل الكذب عقيدة، والخراب مشروعاً، والوطن رهينة لأوهامها
ما يعيشه السودان اليوم ليس مجرد حربٍ بين قوتين عسكريتين، بل كارثة وطنية صنعتها ـ إلى حدٍ بعيد ـ جماعة الإخوان المسلمين، التي لم تتوقف منذ عقود عن تحويل الدولة إلى ساحة ابتزاز سياسي، والمجتمع إلى وقود دائم لمعاركها الأيديولوجية. فهذه الجماعة التي تتقن ارتداء الأقنعة، لم تدخل التاريخ السوداني بوصفها مشروع بناءٍ وطني، بل باعتبارها واحدة من أكثر القوى مساهمةً في تخريب الوعي، وتمزيق النسيج الاجتماعي، وإغراق البلاد في دوامة الدم والفوضى.
لقد أتقنت الجماعة لعبة السيطرة على العقول أكثر من أي شيء آخر. فهي تدرك أن احتلال الوعي أخطر من احتلال المدن، وأن المواطن المضلَّل يمكن قيادته بسهولة نحو الكراهية والعنف والانقسام. لذلك بنت، عبر سنوات طويلة، إمبراطورية ضخمة من الدعاية السوداء، تقوم على تزوير الوقائع، وتقديس الأكاذيب، وتحويل الخداع إلى أداة حكم.
ولم تكن الحرب الحالية سوى المسرح الأكبر الذي كشفت فيه الجماعة عن وجهها الحقيقي دون أقنعة. ففي الوقت الذي ينزف فيه السودانيون موتاً ونزوحاً وجوعاً، تنشط ماكينة الإخوان الإعلامية بلا توقف لإعادة إنتاج الحرب، وتغذية الكراهية، وتخوين كل صوت يدعو إلى السلام أو المساءلة أو التفكير العقلاني. إنهم لا يريدون وطناً مستقراً، لأن الاستقرار يفضحهم، ولا يريدون سلاماً حقيقياً، لأن السلام يفتح ملفات الجرائم والأكاذيب والفساد.
هذه الجماعة لا تعيش إلا داخل الفوضى. الفوضى بالنسبة لها ليست خطراً، بل بيئة مثالية للبقاء. ففي الحروب تُصادر الأسئلة، ويُخنق النقد، ويُرفع أكثر الخطابات تطرفاً باعتباره “وطنية”. ولهذا تحوّلت الدعاية الإخوانية إلى سلاح لا يقل فتكاً عن المدافع والطائرات، لأنها تستهدف الإنسان من الداخل، وتعمل على تدمير قدرته على التفكير الحر.
لقد بنت الجماعة شبكات إعلامية كاملة لا وظيفة لها سوى تزييف الوعي. حسابات وهمية، منصات تحريض، وجوه إعلامية مأجورة، ومقاطع مفبركة تُدار بعقلية أمنية شديدة التنظيم. الهدف ليس نقل الحقيقة، بل صناعة واقع بديل يبرر استمرار الحرب ويمنح الجماعة دور “المنقذ” بينما هي أحد أبرز صُنّاع الكارثة.
والأخطر أن الإخوان لا يكتفون بالكذب، بل يعملون على تحويل الكذب إلى ثقافة عامة. يُعاد تدوير الأكاذيب آلاف المرات حتى تبدو وكأنها حقائق، وتُضخ الشائعات بوتيرة هائلة حتى يفقد الناس القدرة على التمييز بين الصدق والزيف. إنها سياسة إغراق منهجية، تجعل المواطن منهكاً ذهنياً، مشوشاً، فاقد الثقة في كل شيء. وحين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، تصبح السيطرة عليه أسهل من أي وقت مضى.
ومن أكثر جرائم هذه الجماعة خطورة اختطافها لمعنى الوطنية نفسها. فقد حولت الوطن إلى ملكية تنظيمية، وصادرت حق الناس في الاختلاف، واحتكرت الحديث باسم الدين والسيادة والكرامة. كل من يعارضها خائن، وكل من يفضحها عميل، وكل من يطالب بالسلام متآمر. بهذا المنطق المريض، جرى تسميم المجال العام وتحويل السودان إلى ساحة تخوين جماعي.
إن جماعة الإخوان لا تخاف من الحرب، بل تخاف من الحقيقة. تخاف من الإعلام المهني، ومن المجتمع الواعي، ومن الأسئلة الحرة، ومن أي لحظة هدوء تسمح للناس بالتفكير خارج ماكينة التحريض. ولهذا تسعى دائماً إلى إبقاء البلاد في حالة توتر دائم، لأن التوتر يحميها من السقوط الأخلاقي والسياسي.
لقد أثبتت التجربة السودانية أن هذه الجماعة لا ترى في الدولة سوى أداة تمكين، ولا ترى في المواطن سوى تابع يجب تعبئته أو إخضاعه. وحين تفشل في السيطرة على الدولة، لا تتردد في حرقها بالكامل. لذلك لم يكن غريباً أن تتحول سنوات نفوذها إلى واحدة من أكثر المراحل ظلاماً في تاريخ السودان، حيث جرى تدمير مؤسسات الدولة، وتخريب التعليم، وإفساد الإعلام، وتديين السياسة بصورة حولت الدين نفسه إلى أداة صراع وكراهية.
إن السودان اليوم يدفع ثمناً باهظاً ليس فقط للحرب العسكرية، بل لعقود طويلة من غسل العقول والتلاعب بالوعي. ولهذا فإن أي مشروع لإنقاذ البلاد لن ينجح ما لم يبدأ أولاً بتفكيك هذه المنظومة الدعائية التي صنعت الانقسام وشرعنت الخراب.
المعركة الحقيقية ليست فقط في الميدان، بل في استعادة العقل السوداني من قبضة الدعاية الإخوانية. وهذه مهمة لا تقل أهمية عن إيقاف إطلاق النار، لأن الأوطان لا تُبنى بالأكاذيب، ولا تستقر تحت هيمنة الجماعات المؤدلجة التي تتغذى على الفوضى والدم.
لقد آن للسودانيين أن يدركوا أن أخطر سلاح استخدمته جماعة الإخوان لم يكن البندقية، بل الكذبة. وأن أخطر ما فعلته ليس السيطرة على السلطة، بل تسميم الوعي العام حتى أصبح المجتمع يعيش داخل دوامة مستمرة من الخوف والتضليل والانقسام.
ولهذا، فإن هزيمة هذه الجماعة لا تبدأ بإقصائها من المشهد السياسي فقط، بل بكشف خطابها، وفضح أدواتها، واستعادة قيمة الحقيقة بوصفها أساساً لأي مستقبل ممكن. فالسودان لن ينهض ما دامت الأكاذيب تُدار كسياسة، وما دام تجار الخراب يقدّمون أنفسهم أوصياء على الوطن بينما هم أكثر من مزقه وأحرقه.




