

في قلب المشهد السوداني المأزوم، تُطل ولاية جنوب كردفان كنموذج صارخ لتفكك الدولة وتآكل مؤسساتها، لا بسبب الحرب وحدها، بل لأن من أشعلوا نيرانها عادوا اليوم ينهشون جسد الدولة من الداخل، يعيدون ترتيب مواقعهم داخل المؤسسات، ويبعثون من تحت الرماد بواجهات جديدة وولاءات قديمة، شعارها الفوضى وغايتها تمويل الحرب.*
*المؤسسات الحكومية اليوم في جنوب كردفان لم تعد ساحة خدمة عامة، بل تحولت إلى حقل ألغام سياسي وأمني تديره تيارات الحركة الإسلامية التي عادت بهدوء إلى مفاصل الدولة ، لم تعد العودة مجرد شبهة، بل حقيقة موثقة بالتقارير والمخاطبات الرسمية، حيث تتكشف يوماً بعد يوم شبكات اختلاس وتلاعب، تدار من داخل النظام نفسه، بعلم من بيدهم سلطة القرار أو بتواطؤ منهم.*
*كتائب النظام البائد التي ظن البعض أنها زالت، عادت باسماء وظيفية وأدوار إدارية، لتدير ماكينة فساد تغذي الجبهات وتشتري الولاءات وتغلق كل أبواب الإصلاح ، في كل مؤسسة أثر ليد خفية تُوجه التعيينات، تُعطل القوانين، وتُغض الطرف عن تجاوزات المليارات المختلسة، لأن الهدف لم يعد إصلاح الدولة، بل إعادة هندستها بما يخدم معسكر الحرب والانقسام.*
*كل التقارير الصادرة عن ديوان المراجعة القومي بجنوب كردفان تشير إلى نمط واحد متكرر وهو أموال مختفية، أورنيكات تحصيل مفقودة، عُهد مالية لم تُسترد، وأرصدة تُصرف دون توثيق ، لكن الأخطر من الأرقام هو صمت النظام الإداري تجاه هذه التجاوزات، وكأن الفساد أصبح جزء من الأمر الواقع، أو ثمناً مستحقاً لتحالفات عسكرية وسياسية تُبنى على أنقاض القانون.*
*إن ما يحدث الآن ليس مجرد فساد إداري، بل هو مشروع تخريبي منظم، يتغذى على ضعف الدولة ويُعاد إنتاجه عبر واجهات السلطة المحلية، بتمويل من خزائن الشعب وتحت لافتة العمل المؤسسي ، فالفوضى الحالية ليست نتاج انهيار مؤقت، بل نتيجة مباشرة لإعادة تموضع الإخوان في عمق مؤسسات الخدمة المدنية، وتحويلها إلى أدوات لتأجيج الصراع وتمويل الجبهات، بدل أن تكون أدوات استقرار وتنمية.*
*ولأن الفساد حين يُغطى بالشعارات الدينية يصبح أكثر فتكاً، فإن المعركة الحقيقية اليوم في جنوب كردفان ليست فقط ضد التجاوزات المالية، بل ضد البنية السياسية التي جعلت من الدولة أداة في يد أقلية عقائدية تستخدم الوظيفة العامة كوسيلة لإعادة إنتاج الخراب.*
*إن صمت شُلة بورتسودان عن هذا العبث، وتساهله مع عودة الكتائب الإسلامية للواجهة، هو تفويض ضمني باستمرار الفوضى، وضرب لما تبقى من شرعية المؤسسات ، ولا بد من وقفة وطنية حاسمة قبل أن تتحول كل الولايات إلى نسخ جديدة من جنوب كردفان، حيث يُمول الخراب باسم الدولة، وتُدار الحرب من داخل مكاتبها.




