
صالح السليمي
يرتكز هذا المقال على التحليل النفسي-الاجتماعي للظاهرة، مع تطبيق على الحالة السودانية في سياق الحرب الحالية.
في زمن الحروب والنكبات الوطنية، تخرج إلى السطح شخصيات تتغذى على خطاب الكراهية وتعيد إنتاجه بكل وقاحة، بل وتتخذ من تحقير الآخر سلّماً لتثبيت حضورها الإعلامي والسياسي. وإذا كان السودان اليوم يرزح تحت نير الحرب والانقسام، فإن أحد أخطر ما يهدد وحدته ليس فقط السلاح، بل ذاك الخطاب العنصري الممنهج الذي يتغذى على الجراح وينفخ في رماد الفتنة.
وفي هذا السياق، تبرز ظاهرة عبدالرحمن عمسيب بوصفها نموذجًا صارخًا للذات العنصرية المنحرفة، التي تتغذى على التمركز العرقي وتبرّر الهيمنة تحت غطاء “نقاء الأصل”.
أولاً: الذات العنصرية… حين تتحوّل الجراح إلى كراهية ممنهجة
الذات العنصرية لا تتكون بين ليلة وضحاها. إنها نتاج مسار طويل من التكوين النفسي والاجتماعي والسياسي، يبدأ غالباً من:
• صدمة شخصية أو تجربة سلبية، يُحمّل فيها الفرد جماعة بكاملها وزر شخصٍ واحد.
• تربية تكرّس عقد التفوق، وتصور الآخر كدخيل أو خطر وجودي.
• منظومة اجتماعية تسمح بالتمييز، وتمنح الامتيازات لفئة دون أخرى، فتغذي وهم “الهوية النقية”.
هذه العوامل إذا اجتمعت، تنتج شخصية عنصرية لا ترى في التنوع ثراءً، بل تهديداً. وتنتقل من الانفعال إلى الفعل، ومن الرأي إلى التحريض، ومن التحليل إلى التنميط، ثم في مرحلة متأخرة إلى الدعوة إلى الإقصاء العرقي المؤسسي.
وهذا بالضبط ما يمثله عبدالرحمن عمسيب في خطابه العام منذ اندلاع الحرب السودانية في أبريل 2023، حيث تحوّل من ناشط على أطراف المشهد إلى منظّر عرقي يدعو صراحة لتفوق “النهريين” على بقية مكونات السودان.
ثانيًا: خطورة الخطاب العنصري الممنهج الذي يقوده عمسيب
لم يعد ما يردده عبدالرحمن عمسيب مجرد آراء متطرفة، بل بات خطابًا يتصف بالسمات التالية:
1. منهجية التحريض العرقي
عمسيب لا يتحدث باندفاع عاطفي، بل يطرح “مشروعاً” متكاملاً للفرز الإثني، مستخدماً أدوات الإعلام والمنصات الاجتماعية لإعادة إنتاج رواية مختلة عن “النقاء العرقي”، يعيد فيها صياغة الصراع السوداني كصراع بين “الأصلاء” و”الدخلاء”، بين “أصحاب الوطن” و”الطارئين”، وهي أطروحة شبيهة بأخطر نماذج الإبادة الجماعية في التاريخ (رواندا، البوسنة).
2. استغلال الحرب لنشر نظرية التفوق العرقي
أخطر ما في خطاب عمسيب هو توقيته. فحين تتآكل مؤسسات الدولة، ويتشظى المجتمع تحت نيران الحرب، يطلّ هذا الخطاب كطوق نجاة كاذب، ويقدّم تفسيرًا تبسيطيًا لأسباب الانهيار: “الأزمة سببها الغرباء”، “السلطة اغتصبها من لا يستحقها”، “آن أوان عودة الأصلاء لحكم السودان”.
إنه منطق التطهير الناعم، الذي لا يُعلن القتل، لكنه يشرعن الإقصاء ويُهيئ الأرضية للعنف.
ثالثًا: فحص الخلفيات العرقية.. بداية الفاشية السودانية؟
في فيديو حديث، طالب عمسيب علنًا بـ”ضرورة فحص الخلفية العرقية” لكل من يتقلد منصباً حساساً في الدولة، وذلك في معرض حديثه عن العقيد كوبرا، المدرب السابق للقوات الخاصة، الذي انشق وانضم لقوات الدعم السريع.
قال عمسيب بصريح العبارة إن مثل هذه المواقع ينبغي أن تكون “حكرًا على النهريين”، وهم القومية التي يراها “نقية العرق” وتستحق قيادة البلاد (!)
هذه الدعوة ليست فقط عنصرية، بل تمثل بداية لنظرية الفحص العرقي المؤسسي، وهي نفس النظرية التي أسست للفاشية في ألمانيا النازية، وللعزل العنصري في جنوب إفريقيا.
المعاني الخطيرة لهذه الدعوة:
• نفي لمبدأ المواطنة المتساوية.
• تكريس للتراتبية القبلية كشرط للولاء.
• تحويل الدولة من كيان قانوني إلى امتداد لقبيلة معينة.
• تبرير للتصفية أو الإقصاء ضد من يُعدّون “أقل نقاءً”.
رابعًا: كيف نواجه خطاب العنصرية العلني؟
إن مواجهة خطاب عبدالرحمن عمسيب وأمثاله لا تكون بالصمت أو التجاهل، بل عبر:
1. التعرية الفكرية
لا بد من كشف التهافت المعرفي والتاريخي الذي يقوم عليه خطاب “النقاء العرقي”. فالسودان لم يكن يوماً وطنًا لقومية واحدة، بل هو نسيجٌ من السلالات والثقافات، وأي محاولة لاختزاله تعني تفكيكه.
2. المقاومة القانونية
يجب سن تشريعات تجرم صراحةً خطاب الكراهية العرقي، وتمنع التمييز في التوظيف والمناصب بناءً على الخلفية الإثنية، وتُخضع المحرضين للمساءلة الجنائية.
3. إعادة بناء العقد الاجتماعي
الحرب أثبتت فشل السودان القديم، لكنها منحت أيضًا فرصة لبناء سودان جديد، قائم على مبدأ المواطنة لا العرق، والعدالة لا الامتيازات التاريخية، والاعتراف المتبادل لا الإقصاء المتبادل.
خاتمة:
ظاهرة عبدالرحمن عمسيب لا يمكن اختزالها في “رأي فردي”، بل هي مرآة مشروخة لذوات عنصرية تنمو في الفراغات الأخلاقية التي تخلقها الحرب. ولأن هذه الذوات تنجح حين نصمت عنها، فإن المواجهة تبدأ من الكلمة، وتُحسم بالتشريعات، وتُتوج ببناء وطن لا يكون لأحد امتياز فيه سوى بالحق والكفاءة.
في النهاية، لا أحد يولد عنصرياً، لكن في بيئات مثل بيئتنا، يمكن أن يولد المرء بريئًا… ثم يُعاد تشكيله ليكره، ويبرر الكراهية، ثم يدعو لها باسم الوطن.




