
حسن النعمان
أسئلة الذاكرة والعدالة تلاحق التغطيات الإعلامية في ظل معاناة ملايين الضحايا والنازحين
قد تتبدل المواقف السياسية، وتتغير التحالفات، وتعيد الحكومات ترتيب أولوياتها وفق حسابات المصالح. وقد تتجاوز القوى السياسية عن خلافاتها عندما تفرض الوقائع تسويات جديدة. لكن ما يصعب تجاوزه هو ذاكرة الشعوب التي دفعت أثمان الحروب من دمائها وأمنها ومستقبل أبنائها.
وفي السودان، حيث دفعت مناطق الهامش الكلفة الأكبر من الحرب، يظل سؤال العدالة والذاكرة حاضراً بقوة: هل يمكن أن تنسى المجتمعات التي عاشت القتل والنزوح والتشريد الأدوار التي لعبتها بعض المنصات الإعلامية خلال سنوات الصراع؟ وهل ستسامح تلك القنوات التي ينظر إليها كثير من أبناء الهامش باعتبارها جزءاً من المشهد الذي رافق مأساتهم وساهم في تشكيل الرواية المتداولة عنها؟
بالنسبة لآلاف الأسر التي فقدت أبناءها، وللملايين الذين وجدوا أنفسهم نازحين ولاجئين داخل السودان وخارجه، لا تبدو القضية مجرد خلاف حول التغطية الإعلامية أو تباين في وجهات النظر السياسية. فالحرب بالنسبة لهم ليست مادة للنقاش والتحليل، بل تجربة إنسانية قاسية ما زالت جراحها مفتوحة وآثارها ماثلة في تفاصيل الحياة اليومية.
هناك آباء فقدوا أبناءهم في ساحات القتال وتحت القصف، وأمهات ما زلن ينتظرن عودة أبنائهن رغم إدراكهن أن ذلك الانتظار قد لا ينتهي إلا بالحزن، وشباب فقدوا أطرافهم أو أبصارهم أو فرصهم في بناء مستقبل طبيعي. وهناك ملايين البشر الذين أُخرجوا من بيوتهم وتحولوا إلى نازحين ولاجئين، بعد أن فقدوا الأمن والاستقرار ومصادر الرزق.
لهذا فإن أي خطاب إعلامي يُنظر إليه باعتباره منحازاً أو مبرراً للعنف أو متجاهلاً لمعاناة الضحايا لا يُستقبل لدى هذه المجتمعات بوصفه مجرد رأي أو موقف سياسي، بل باعتباره جزءاً من سردية الحرب نفسها. فالكلمات، مثلها مثل الوقائع، تترك آثارها العميقة في الذاكرة الجماعية للشعوب.
لقد دفعت دارفور وكردفان والنيل الأزرق وأطراف السودان المختلفة أثماناً باهظة خلال سنوات الحرب. دُمرت مدن وقرى، وتشتت الأسر، وضاعت فرص التعليم والعمل والاستقرار، وتحولت أحلام أجيال كاملة إلى معركة يومية من أجل البقاء.
وفي ظل هذه المأساة، تبرز أسئلة أكبر من السياسة والإعلام معاً: من سيعوض الضحايا؟ من سيجبر خاطر الأمهات الثكالى؟ من سيعيد للمشردين بيوتهم؟ ومن سيمنح الأمان لمن عاشوا سنوات طويلة تحت أصوات الرصاص والخوف؟
هذه الأسئلة لا تجيب عنها نشرات الأخبار ولا البرامج الحوارية ولا الخطابات السياسية. إنها أسئلة ترتبط بالحقيقة والعدالة والاعتراف بمعاناة الناس قبل أي شيء آخر.
فالتاريخ يعلمنا أن الشعوب قد تتسامح، لكنها لا تنسى بسهولة. وقد تقبل المصالحات عندما تكون قائمة على الإنصاف والاعتراف بالحقيقة، لكنها لا تقبل محو الذاكرة أو تجاوز الألم دون مساءلة أخلاقية وإنسانية.
ولهذا فإن الحكم النهائي في مثل هذه القضايا لا تملكه الحكومات ولا الأحزاب ولا المؤسسات الإعلامية. فالضحايا وحدهم هم أصحاب الحق في تحديد ما إذا كانت الجراح قد التأمت، وما إذا كانت الذاكرة مستعدة للصفح، وما إذا كان الطريق إلى المصالحة قد أصبح ممكناً.
أما الذين يراهنون على أن الزمن كفيل بمحو كل شيء، فقد لا يدركون أن الدم قد يجف، لكن الذاكرة لا تجف، وأن الحروب قد تنتهي، لكن آثارها تبقى حية في النفوس جيلاً بعد جيل.
لذلك يبقى السؤال قائماً:
هل يسامح الهامش الجزيرة والعربية والحدث على مواقفها من الحرب؟
ذلك القرار لا يملكه السياسيون ولا الإعلاميون ولا أصحاب المصالح، بل هو حق أصيل للضحايا وحدهم، وهم وحدهم من يملكون الإجابة.




