
منال علي محمود
manal002002@gmail.com
في لحظة يعاد فيها تشكيل خرائط النفوذ في الإقليم، يبدو السودان كأنه يتراجع خطوة بعد أخرى خارج المشهد الدولي، لا بقرار معلن، ولكن بنتيجة تراكم طويل لسلوك الدولة في الداخل والخارج.
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتحرك بين القاهرة ونيروبي وأديس أبابا، يعيد تموضع فرنسا داخل أفريقيا ويؤسس لشراكات جديدة، بينما السودان خارج هذه الدوائر؛ لا حضور، لا تأثير، ولا حتى دعوة رمزية تحفظ موقعه الطبيعي.
هذا مسار سياسي تراكمي.
غياب من قمة فرنسا وأفريقيا.
غياب من القمم الأوروبية الأفريقية.
وغائب عن اللقاءات الأوروبية العربية.
العالم لا يُقصي الدول بلا سياق، ولا يغلق أبوابه دون مقدمات.
العزلة في جوهرها ليست فعلاً خارجياً فقط، بل نتيجة مباشرة لمسار داخلي طويل أنتج دولة مثقلة بالحرب، ومربكة في تمثيلها الخارجي، وضعيفة الحضور كفاعل دولي.
في هذا السياق، تبدو التحركات الخارجية أقرب إلى محاولات إدارة صورة، لا استعادة موقع.
زيارة الفاتيكان، بما تحمله من رمزية، لا يمكن أن تمحو آثار حرب ممتدة، ولا أن تعيد دولة خرجت من الاستقرار إلى موقع الفاعل الطبيعي في النظام الدولي.
ثم جاءت اللحظة التي اختزلت المشهد.
أمام وفد السودان في الفاتيكان، وقفت سودانيات ورفعن صوت الثورة:
“حرية، سلام، وعدالة… المدنية خيار الشعب”.
لم يكن المشهد استفزازاً، بل تعبيراً مدنياً مباشراً عن موقف سياسي.
لكن الرد كان حاداً ومفارِقاً لطبيعة الحدث.
تعرضت النساء للاعتداء من بعض أفراد البعثة الدبلوماسية، في سلوك يصعب فصله عن صورة الدولة ذاتها، وعن طبيعة الأزمة التي تعيشها مؤسساتها.
وهنا يتضح لماذا هتفت النساء اعتراضاً أمام الوفد.
دولة تبحث عن العودة إلى العالم، بينما بعض ممثليها في الخارج يتعاملون مع الصوت المدني بالعنف بدل الحوار.
وأي دبلوماسية هذه التي ترى في الهتاف تهديداً، وفي الكلمة خصماً يجب إسكاتُه؟
العزلة التي يعيشها السودان ليست مجرد انعكاس لمواقف خارجية، بل نتيجة مباشرة لطريقة إدارة الدولة لأزمتها السياسية داخلياً وخارجياً.
الدول لا تُقاس فقط بحركتها في الخارج، بل بقدرتها على تقديم نموذج منضبط يحترم الإنسان ويضبط سلوك ممثليه.
وحين يصبح الرد على شعار مدني هو العنف، فإن الأزمة لا تكون في الخارج، بل في بنية الدولة نفسها.
ولو كان هذا سلوك بعثة دبلوماسية لدولة داخل فضاء أوروبي، فماذا يمكن أن يتوقعه العالم من معنى وجود أصوات معارضة داخل السودان نفسه؟
إن أبلغ رسالة عكستها الواقعة لم تكن الشعار الذي رفعته النساء، بل الطريقة التي جرى التعامل بها مع هذا الشعار: ضرب النساء بدل مواجهتهن بالكلمة.
السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى استعادة موقعه الدولي، بل إلى إعادة تعريف معنى الدولة قبل أي محاولة للعودة.
فلا يمكن كسر العزلة بخطابات دبلوماسية، بينما تُنتج أسبابها كل يوم داخل السلوك السياسي ذاته.




