
الطيب الزين
السودان يعيش منذ ما سُمّي بالاستقلال في ظل بنية صراعية قهرية استبدادية تتجدد باستمرار عبر مؤسسات الدولة وخطابات التضليل والتجهيل التي تبثها السلطة وآليات الضبط الاجتماعي. فكل الوقائع التي شهدها السودان منذ الاستقلال في عام 56 وحتى الآن لم تتجه نحو بناء دولة حديثة تلبي تطلعات الشعب في الحرية والعدالة الاجتماعية والاستقرار، لأن القوى السياسية التي تولت القيادة حينذاك لم تمتلك الإرادة ولا الكفاءة ولا المشروع الوطني القادر على تحويل هذا البلد الواسع المتنوع إلى دولة حديثة، بل تركته نهباً لتحالفات طائفية عسكرية طفيلية صنعت دولة هشة بلا مؤسسات وبلا رؤية. فتحول السودان إلى رجل إفريقيا المريض لا بسبب الجغرافيا، بل بسبب من حولوا الدولة إلى جهاز لإعادة إنتاج مصالحهم الطبقية الضيقة. وبدلاً من ترسيخ الديمقراطية وتحقيق التنمية ومحاربة الفقر، سلمت النخب السياسية الفاسدة السلطة للعسكر، فبدأ تحالف القمع والهيمنة حيث يمتلك العسكر أدوات القهر ويمتلك السياسيون الفاسدون خطابات التضليل. فكان انقلاب 30 يونيو 1989 ذروة هذا التحالف حين استخدم الإسلام السياسي خطاباً دينياً مضللاً لتبرير السيطرة وتحويل الدولة إلى جهاز مراقبة وملاحقة وقهر وقتل. وتحولت مؤسسات السلطة إلى أدوات للدفاع عن مصالح الطبقة الطفيلية التي نهبت الثروة واحتكرت السلطة وغطت جرائمها بخطاب ديني ضلالي يشرعن الاستبداد ويحوّل الطاعة إلى فضيلة والنقد إلى خطيئة. ووظفوا خطاباتهم المضللة لإخضاع الشعب وتوظيفه لخدمة الطبقة الفاسدة التي تتغذى من عرق الفقراء والكادحين، مستخدمين الدين والإعلام والتعليم لإنتاج وعي زائف يجعل المقهور يدافع عن القاهر لتكريس الهيمنة الثقافية. ولم يكتفوا بذلك، بل غسلوا أدمغة الشباب وحولوهم إلى قتلة متوحشين يعملون ضد أنفسهم ومجتمعهم ووطنهم عبر خطاب صنع عدواً وهمياً وحوّل العنف إلى واجب، والخضوع للظلم إلى صفة وطنية، والقتل إلى رسالة. وهذه المهمة القذرة وظفت فيها أموال الشعب لشراء الكُتّاب والصحفيين الانتهازيين الجبناء لضخ خطاب إعلامي يدافع عن عصابة مجرمة بقيادة مجرم الحرب برهان، لتبرير العنف وحماية مصالحهم الطفيلية التي بنوها في ظل بنية اقتصادية مختلة تكرس الفقر والتهميش، بل إجبار الشباب وتجنيدهم وتحويلهم إلى أدوات في يد الطبقة الطفيلية التي لا تعيش إلا على دماء الفقراء. وهكذا تداخلت السلطة المادية مع السلطة الرمزية فصار القمع لا يُمارس بالسلاح وحده، بل بالكلمة والفتوى والمنبر والمدرسة والإعلام وكل ما ينتج الوعي ويعيد تشكيله. الحرب اللعينة الدائرة اليوم ليست صراعاً بين جيشين، بل هي في الواقع صراع طبقي مقنّع بين طبقة طفيلية مسلحة تعمل بكل ما لديها من مكر ودهاء وخساسة وخباثة لإعادة إنتاج سلطتها فوق رؤوس شعب مسحوق يسعى إلى كسر قيد السجن الطويل وبناء دولة المواطنة القائمة على الحقوق والواجبات. الحرب التي شنتها الطفيلية المتوحشة ضد قوات الدعم السريع هي محاولة قذرة ملوثة بالدماء والمال الحرام لشراء الانتهازيين أمثال كميل إدريس والإعيسر وجبريل إبراهيم ومني أركو مناوي وبقية الساقطين لإخضاع الشعب السوداني لسطوة قوى طفيلية متوحشة مرتبطة بدوائر خارجية، لاسيما النظام المصري بقيادة عبد الفتاح السيسي، الذي لا يريد رؤية سودان حر ديمقراطي معافى. لا يمكن للسودان أن ينهض ما لم يتم تحطيم بنية الاستبداد والفساد والظلم وتفكيك خطابها الكذوب الذي يبث التضليل والتجهيل والعنصرية لتدمير المشتركات الوطنية، وبالتالي تسهيل مهمة إدامة الهيمنة والسيطرة على الدولة ومؤسساتها وثرواتها وتوظيفها لصالح الطفيلية التي تتكون من تحالف العسكر وتجار شبكات الفساد وتجار المعلومات مثل صلاح قوش وغيره من الخونة والعملاء. لا خيار أمام الشعب السوداني سوى تحطيم هذا المعبد وإعادة بناء الدولة على أساس المواطنة وإنتاج وعي جديد يبسط الحرية ويحقق العدالة وينشر السلام بين الناس. في الختام لابد من التأكيد على حقيقة يجب أن يفهمها الجميع، السودان لا مخرج له من أزماته المتفاقمة سوى تحطيم السجن وتحرير إرادة الشعب لينهض رجل إفريقيا كما نهضت رواندا وكينيا وإثيوبيا وغانا وكل دول القارة الإفريقية التي ربطت الحرية بالتنمية. الموت ليس أن تموت الموت الطبيعي، الموت هو أن تموت وأنت حي، هو أن تقبل الخنوع والذل والانكسار والخضوع تحت أقدام القتلة الأشرار، وأن تستسلم لجلادك، وأن تتخلى عن حقك في الحرية والحياة الحرة الكريمة. لذا على الشعب السوداني أن يواصل نضاله ضد القهر والظلم، وأن يتمسك بحقه في الحياة، فلا توجد قوة تقهر إرادة شعب عشق الحرية، ولا توجد سلطة تستطيع أن تهزم أمة رفضت الذل وقررت أن تكسر قيودها وتشرئب نحو السماء بخيال يعانق الثريا.
الطيب الزين




