التربية والإعلام معركة تحرير العقل السوداني: من فصول الهوية المسروقة إلى وعي المستقبل
هشام محمد شريف

هشام محمد شريف
إذا كانت الخرائط تُسرق والآثار تُنهب، فإن العقول تُصنع – أو تُهدم – في الفصول الدراسية والشاشات والمنشورات التي يقرأها الملايين.
لم تك التربية والإعلام في السودان مجرد ناقلين محايدين للمعرفة، بل حلبتي صراع وجوديتين: إحداهما زرعها الاستعمار، والأخرى أعادت إنتاجها النخب الوطنية. فكيف يمكن بناء وطن يسع الجميع، إذا كان المنهج المدرسي يُدرّس التجزئة، والإعلام الشعبي يُقدّس الانقسام؟
الماضي: مدرسة المستعمر و”إعلام الفرقة”
لم يكتف البريطانيون بمراسيم “إغلاق المناطق”. لقد أسسوا نظاماً تعليمياً مزدوجاً: مدارس للشمال تدرّس اللغة العربية والدين، وأخرى للجنوب بإشراف بعثات تبشيرية تدرّس بالإنجليزية وتهمش التراث المحلي. كانت المعرفة هنا سلاحاً: طفل في الخرطوم يتعلم أن الجنوب “وثني متخلف”، وطفل في جوبا يتعلم أن الشمال “غزو عربي”. هكذا زرع الاستعمار “سرديات التزييف” في عقول الأطفال.
وذات الحال في الشرق والغرب والجبال
أما الإعلام فكان أداة أشد فتكاً. الإذاعة السودانية منذ تأسيسها عام 1940 ظلت بأيدي الإدارة البريطانية، تبث برامج باللهجات المركزية وتهمش التنوع اللغوي. الصحف المكتوبة (التي انطلقت مع حركات التحرر) رغم جرأتها السياسية، ظلت أسيرة النخب الحضرية التي رأت السودان بعيون “عربية إسلامية” ضيقة. الإعلام الشعبي – الحكواتية، غناء اهل البادية، المدائح النبوية – قُمع أو أُخضع للرقابة، لأنه كان يحمل ذاكرة موازية لا تخدم مشروع التجزئة.
الحاضر: منهج ممزق وشاشات متناحرة
اليوم، بعد عقود من الاستقلال، لا يزال التعليم السوداني يعاني من أزمة هوية حادة. المناهج الدراسية (التي تم تعريبها بالكامل في التسعينيات) تدرس التاريخ السوداني كملحق للتاريخ العربي الإسلامي، بينما تُختزل “الأفريقية” في صفحات عن الممالك القديمة ثم تُطوى. لا مكان لتدريس اللغات المحلية (النوبية، الفور، البجه، الفونج) في التعليم النظامي. الأدهى: أن مراجعات ما بعد انفصال الجنوب لم تُحدث تحولاً جذرياً، بل زادت التشدد في “الهوية العربية” خوفاً من المزيد من الانفصالات.
واصبحت تتحدث عن توتي في الصباح وعوضية سمك ..وتناست المحمل ..وثورات السحيني .
أما الإعلام فهو ساحة حرب مفتوحة. الإعلام الرسمي أصبح آلة دعائية للأنظمة المتعاقبة، يكرس خطاب “العدو الداخلي” ويمارس وصمة إثنية. الإعلام الخاص (القنوات الفضائية، الصحف الإلكترونية، منصات التواصل) انقسم على نفسه: قنوات موالية للجيش تروي “سردية الشرعية”، وأخرى موالية للدعم السريع تبث “سردية الثورة المضادة”، والنادر من يتبنى خطاباً جامعاً.
الإعلام الشعبي – هنا المقصود به المنصات الشعبية مثل صفحات فيسبوك وقنوات تليجرام والنظار والشيوخ و الحكامات الذين يبثون وعياً أو تنويراً – تحول إلى ساحة كراهية ممنهجة: مقاطع فيديو تحرض على “العرب” أو على “الزرقة”، أغاني شعبية تتبنى لغة العنف، وأخبار كاذبة تُنسب لقبائل بأكملها. إنها “حرب الذاكرة” التي تحدثنا عنها المقال السابق، تُخاض الآن في هواتف المواطنين.
المستقبل
منهج التحرير وإعلام المواطنة
كيف نخرج من هذا المستنقع؟ المستقبل يحتاج إلى ثورة تربوية وإعلامية موازية لأي اتفاق سياسي
في التربية: منهج وطني جديد يعترف بالتنوع لا كتهديد بل كثروة. يجب تدريس تاريخ السودان كحضارة مترابطة: من مملكة كوش إلى سلطنات الفور وتقلي ومملكة الفونج، مروراً بثقافات النوبة والبجا. اللغة العربية تُدرّس كلغة رسمية، لكن إلى جانب ذلك تُقدّم حصص للتعريف باللغات المحلية (ولو رمزياً).
الأهم: نقد الإرث الاستعماري في الكتب الدراسية – أن يتعلم الطالب كيف صُنع “الآخر” في المناهج القديمة، وكيف يفكك هذه الأدوات.
هذا المنهج يحتاج إلى معلمين محررين من الأيدلوجيات، وهذا يتطلب إعادة تأهيل جذرية لكليات التربية.
في الإعلام
أولاً، إعلام رسمي مستقل يعمل كهيئة خدمة عامة، بعيداً عن المزايدات العسكرية والحزبية. ثانياً، إعلام مجتمعي: إذاعات محلية باللهجات المختلفة (مشروع “إذاعات السلام” في دارفور اذاعة الوحدة الوطنية راديو تمازج نماذج يمكن اخذها وتنقيحها).
ثالثاً، إعلام شعبي واعٍ
بدلاً من ترك الفضاء لمنصات الكراهية، يجب دعم المؤثرين والصحفيين المواطنين الذين يروون قصص التعايش – فتى من الخرطوم بحري يغني اغاني البادية، شيخ قبيلة يروي مآثر قبيلة مجاورة، مسلسل إذاعي كوميدي يتناول الزواج المختلط كأمر عادي. هناك تجارب واعدة مثل “فرقة اجاويد” ومنصات الشباب على يوتيوب، لكنها تحتاج إلى حماية وتمويل.
المستقبل البعيد
إنشاء مرصد وطني لمراقبة خطاب الكراهية في الإعلام والتعليم، ليس لقمع الحريات بل لفضح “سرديات التزييف” بذات الأدوات التحليلية التي يستخدمها المقال. وجعل قضايا الهوية والتعايش مادة إجبارية في كليات الإعلام والتربية.
من سرقة الذاكرة إلى صناعة المستقبل
إن ما يحدث اليوم في السودان – من حرب إلى تشريد إلى خطاب كراهية – هو نتيجة حتمية لنظام تعليمي زرع الانقسام، وإعلام أعاد إنتاج الاستعلاء. لا يمكن وقف الحرب دون تغيير ما في العقول.
يقول المقال السابق: “تحرير المستقبل يبدأ بتحرير الماضي”. نضيف: تحرير الماضي يبدأ بتعليم يُفكك التزييف، وإعلام يُعيد بناء الثقة. الكتب المدرسية والشاشات والمنصات الشعبية ليست مجرد أدوات، إنها ساحات معركة الوجود السوداني القادم. فإما أن ننتصر فيها، أو نظل أسرى خرائط مسروقة لا تنتهي.




