رأي

الطريق إلى الدولة المدنية الديمقراطية (٥-٥) إعلاء قيم الديمقراطية والثقافة المدنية

صالح السليمي

 

 صالح السليمي

إنّ الديمقراطية ليست مجرّد نظام حكم أو آلية انتخابية تُمارس كل بضع سنوات، بل هي ثقافة حياة تتغلغل في وعي المجتمع وسلوكه اليومي. إنها منظومة قيم تقوم على احترام الإنسان، والإيمان بحقّه في الاختلاف والمشاركة، والإصغاء لصوته باعتباره شريكًا في القرار لا تابعًا له. فالمجتمع الديمقراطي لا يولد من صناديق الاقتراع وحدها، بل من تربيةٍ مدنيةٍ مستمرة تنشئ الأجيال على روح المواطنة، والالتزام بالقانون، والمسؤولية تجاه الوطن والآخرين.

ولكي نصل إلى دولة مدنية ديمقراطية حقيقية، علينا أن نبدأ من الاسرة والمدرسة، باعتبارهما المصنع الأول للعقل والسلوك. في الاسرة يجب ان نغرس قيم الكرامة والاحترام المتبادل واحترام الرأي الاخر، والمدرسة يجب أن تُدرّس فيها قيم التسامح، والاختلاف، والمشاركة في الشأن العام، وأن تُرسّخ فكرة أن السلطة ليست امتيازًا شخصيًا بل تكليف ومسؤولية. فالنشء الذي يتربى على حرية التفكير والنقد هو الذي يحمي مستقبلاً قيم الديمقراطية من التراجع أو التزييف. كذلك، لا بد أن تتحول وسائل الإعلام إلى منابر للوعي لا أدوات للدعاية، وأن تفتح أبوابها لكل الأصوات الوطنية، لا لتلك التي تحتكر الحقيقة وتغلق الحوار.

وفي هذا السياق، يصبح من الضروري إطلاق مشروع وطني شامل للتربية المدنية، يستهدف المدارس، الجامعات، مؤسسات الخدمة العامة، ومنظمات المجتمع المدني. مشروعٌ يُعيد صياغة العلاقة بين المواطن والدولة على أساس الحقوق والواجبات، لا الولاءات الضيقة أو الانتماءات العرقية والقبلية. إنّ بناء الثقافة المدنية هو الكفيل بتفكيك منطق “الزعيم المخلّص” الذي استبدّ بعقول الناس لعقود طويلة، وأضعف روح المبادرة لدى المجتمع. فالديمقراطية، بطبيعتها، لا تقوم على شخصٍ واحد مهما كان مخلصًا، بل على مؤسساتٍ قوية، وقانونٍ عادل، ومجتمعٍ حرٍّ يحاسب ويشارك.

كما أنّ تحصين الدولة المدنية يقتضي حماية حرية الصحافة بوصفها عين المجتمع ولسانه الحرّ. لا ديمقراطية بلا إعلام مستقلٍّ قادر على كشف الفساد ومساءلة السلطة دون خوف أو تبعية. فالإعلام المهني هو الذي يعبّد الطريق نحو الشفافية، ويمكّن المواطن من اتخاذ موقفٍ واعٍ ومسؤول. إلى جانب ذلك، يأتي استقلال القضاء كركيزة أساسية لأي نظام ديمقراطي؛ إذ لا يمكن للعدالة أن تُنجز دورها ما لم تتحرر من سطوة السياسة وتُصبح ميزانًا يعلو فوق الجميع.

ومن أبرز ملامح الديمقراطية الراسخة أيضًا ضمان حقوق المرأة والشباب، ليس من باب التجميل الخطابي أو المساواة الشكلية، بل عبر إشراكهم فعليًا في مواقع القرار وصناعة السياسات العامة. فالشباب هم طاقة الأمة ومحرك التغيير، والمرأة هي ركيزة المجتمع المدني التي تحمل قيم التسامح والعدالة الاجتماعية في تفاصيل الحياة اليومية. إنّ تهميشهما يعني إفقاد الوطن نصف قوته، وحرمان الديمقراطية من ديناميتها الأخلاقية والإنسانية.

إنّ بناء ثقافة ديمقراطية راسخة يحتاج إلى صبرٍ ووعيٍ طويل المدى، وإلى إرادة سياسية لا تخاف من النقد ولا تهرب من الإصلاح. فالمجتمعات التي تتربى على الحرية تتعلم المسؤولية، والمواطن الذي يمارس حقه في النقد هو ذاته الذي يدافع عن استقرار وطنه. أما الأنظمة التي تخنق الرأي وتحتكر القرار، فإنها تزرع بذور الفوضى مهما رفعت شعارات الأمن أو الوطنية.

كذلك فإنّ الطريق إلى الدولة المدنية الديمقراطية يبدأ من إعلاء القيم لا من رفع الشعارات؛ من تربية الإنسان لا من استرضائه؛ ومن بناء المؤسسات لا من صناعة الزعامات. وعندما تصبح الديمقراطية ثقافةً في المدارس، وسلوكًا في الإعلام، وعدلاً في القضاء، وعدالةً في الحقوق، عندها فقط يمكن أن نقول إن السودان قد وضع قدمه على طريق المستقبل، نحو دولةٍ تُدار بالعقل، وتُحكم بالقانون، وتُبنى على احترام الإنسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!