
د. اخلاص قرنق
كلما ضاقت بنا السياسة، وارتفع غبار الحرب، وتشابهت الوجوه المتعبة في نشرات الأخبار، نكتشف أن هناك سوداناً آخر لا يظهر كثيراً… سوداناً يسكن في الأغنيات القديمة، وفي القصائد التي كُتبت بحبر القلب، وفي ذلك الحنين الغامض الذي يجعل السوداني، مهما قست عليه الحياة، عاجزاً عن التخلّي عن الجمال.
فالإنسان السوداني، في جوهره، ليس ابن صراع بقدر ما هو ابن إحساس.
كائن رومانسي بطبعه، حتى وإن أخفى مشاعره خلف الوقار والحياء.
يعشق المرأة، والقصيدة، والصوت الجميل، والتفاصيل الصغيرة التي تمنح الحياة معناها.
ولذلك لم يكن غريباً أن يترك شعراؤنا ومغنّونا هذا الإرث الهائل من الرقة الإنسانية؛ من ود الرضي والحردلو، إلى الكابلي ومحمد وردي ومحمد الأمين وعثمان حسين، وصولاً إلى محمود عبدالعزيز الذي غنّى للحب كأنه صلاة طويلة من الدهشة.
في السودان، حتى الرجل الصلب يحمل داخله شاعراً صغيراً.
يكفي أن نستمع إلى كلمات عمر خالد:
“يا سيدة… لا فايتانا وين؟ مستعجلة…”
لنفهم كيف يرى السوداني المرأة.
فالعاشق هنا لا ينادي امرأة عابرة، بل يستوقف الجمال نفسه قبل أن يبتعد.
كأنه يقول للحبيبة: تمهّلي قليلاً… فوجودك يجعل العالم أقل قسوة.
هذا النوع من الغزل لا يقوم على الاستعراض، بل على الإحساس النقي.
وفيه تبدو المرأة كائناً من نور، لا مجرد تفصيل عابر في حياة رجل.
وفي أغنية “ست البيت”، حين تأتي العبارة:
“بريدها براها… ترتاح روحي كل ما أطراها”
فإن الحب يتحول إلى حالة من السكينة.
ليست الحبيبة هنا مجرد امرأة جميلة، بل وطن صغير، وطمأنينة، ودفء بيت، وراحة روح أتعبتها الحياة.
هكذا كان السوداني يحب؛
بهدوء…
بعُمق…
وبذلك الحياء الجميل الذي يجعل المشاعر أكثر صدقاً.
ثم يأتي الحوت، محمود عبدالعزيز، ليغني:
“يا مدهشة… ويا مترعة…”
فتشعر أن الكلمات نفسها ترتجف من فرط الإحساس.
“مدهشة” لأن الجمال السوداني دائماً يحمل شيئاً غير متوقع،
و”مترعة” لأنها ممتلئة بالروح والأنوثة والحياة.
لم يكن الغناء السوداني يوماً مجرد طرب، بل كان مرآة لروح شعب كامل؛
شعب يعرف كيف يحب رغم التعب، وكيف يغني رغم الحزن.
حتى الفراق عند السودانيين يتحول إلى شعر.
في “ست الريد بقت نسايا”، لا نجد صراخاً أو قسوة، بل نجد شجناً ناعماً يشبه دمعة خفية في آخر الليل.
وهنا تكمن عبقرية الإنسان السوداني؛
أنه مهما أثقلته الحياة، يظل قادراً على إنتاج الجمال.
يحوّل الحنين إلى أغنية، والخذلان إلى قصيدة، والاشتياق إلى لحن يعيش لعشرات السنين.
بعيداً عن ساس يسوس…
هناك سودان آخر يستحق أن نراه ونتذكّره دائماً؛
سودان النساء الجميلات في أثوابهن الملوّنة،
والرجال الذين يخفون الحب داخل نبرة أصواتهم،
وسهرات العود،
والقصائد التي تُقال بخجل،
والأغنيات التي تُرمّم القلوب دون أن نشعر.
ذلك هو السودان الحقيقي…
بلدٌ يحب الحياة رغم كل شيء،
ويؤمن أن الجمال ليس رفاهية، بل طريقة لمقاومة القسوة.
وأن الإنسان، مهما انكسر، يمكن أن تنقذه ابتسامة… أو امرأة… أو أغنية قديمة عند المساء.




