رأي

سبعون عاماً من التيه: السودان بين دولة السلطة ودولة المؤسسات

 د. دقاش حسب الله دقاش

 

 د. دقاش حسب الله دقاش

مدخل: ماذا يحدث عندما تولد دولة قبل أن يتفق شعبها على من هم؟

منذ الأول من يناير 1956 والسودان يحمل اسم دولة، لكنه ما زال يبحث عن معنى الوطن. تسلمنا حدوداً مرسومة، وجهازاً إدارياً بيروقراطياً، وجيشاً عقيدته الطاعة. لكننا لم نتسلم عقداً اجتماعياً يجيب على السؤال الأساسي: على أي أساس نتعايش ونتشارك الحكم؟

لذلك ظلت الأسئلة نفسها تعود كل عقد بأدوات مختلفة: بندقية في الأطراف، هتاف في الخرطوم، وحبر في اتفاقيات سلام تنهار سريعاً. وبناءً عليه، يمكن القول إن أزمة السودان ليست أزمة حكم فحسب، بل أزمة معنى الحكم وغياب مشروعية المؤسسات.

*أولاً: الخطيئة المؤسسة – الاستقلال قبل التوافق*

إن جذور هذه الأزمة تعود إلى ما قبل الاستقلال بأشهر. فعندما فشل مؤتمر المائدة المستديرة في حسم طبيعة الدولة وهويتها ونظام حكمها، حسمت النخبة الخرطومية الأمر على عجل: دولة مركزية شديدة، بهوية أحادية، ومؤسسات موروثة من الاستعمار بلا مراجعة.

وكانت النتيجة الطبيعية لذلك اندلاع تمرد الأنانيا في أغسطس 1955، أي قبل رفع العلم. وهكذا سبقت الحرب قيام الدولة، وتقدمت البندقية على الدستور، وغابت المؤسسات التي يحتكم إليها الجميع. ومن هنا تأسست ثقافة سياسية تتعامل مع السودان كسلطة تُنتزع لا كمؤسسات تُبنى، فتحول تداول السلطة من الصندوق الانتخابي إلى الانقلاب العسكري، وتحول السلام من مشروع مواطنة إلى محاصصة نخب.

*ثانياً: الدائرة المفرغة – عجز المؤسسات عن احتواء الصراع*

ونتيجة لغياب تلك المؤسسات، لم يسر التاريخ السياسي السوداني في خط تصاعدي، بل دار في حلقة مفرغة. تبدأ بفترة ديمقراطية قصيرة تستهلكها صراعات الأحزاب على المناصب لا البرامج، ثم يأتي انقلاب عسكري يعلق الدستور ويحل المؤسسات تحت شعار “الإنقاذ”، فتندلع انتفاضة شعبية تعيد الديمقراطية، لتجهضها النخبة نفسها بصراعاتها القديمة.

وتتكرر الأمثلة بوضوح: عبود أجهض ديمقراطية 1956 بحجة “فوضى الأحزاب”، ونميري أجهض أكتوبر بحجة “خطر اليسار”، والبشير أجهض أبريل بحجة “تطبيق الشريعة”، والبرهان أجهض انتقال ديسمبر بحجة “تصحيح المسار”. وعليه، تتغير الذرائع وتبقى النتيجة واحدة: مؤسسات هشة تعود لنقطة الصفر كل عقد.

وهذا يقودنا إلى أن المشكلة ليست في الدبابة كأداة، بل في عقل سياسي يستدعيها كلما عجز عن إدارة الخلاف عبر المؤسسات.

*ثالثاً: وهم السلام – أربعون اتفاقاً بلا مؤسسات جامعة*

وفي السياق ذاته، صار السودان الأكثر توقيعاً لاتفاقيات السلام في أفريقيا، والأقل تحقيقاً للسلام المستدام. فمن أديس أبابا 1972 إلى جوبا 2020، وقعنا أكثر من أربعين اتفاقاً، كلها عالجت الحرب كأزمة تقاسم سلطة بين النخب، لا كأزمة غياب مؤسسات قادرة على إدارة التعدد.

لذلك جاءت الكلفة إنسانية فادحة: بين مليونين وثلاثة ملايين قتيل، وأكثر من عشرة ملايين نازح ولاجئ حتى 2025 وفق تقديرات الأمم المتحدة. وهذه الأرقام لا تعكس حرباً تقليدية، بل تعكس كلفة غياب دولة مؤسسات تحتكر العنف ولا تحتكم للقانون.

*رابعاً: درس الانفصال – انهيار المؤسسات يعني انهيار الوطن*

ويؤكد ذلك ما كشفه انفصال جنوب السودان 2011 عن إفلاس نموذج الدولة الأحادية. فالانفصال لم يكن خياراً جنوبياً خالصاً، بل إعلاناً بعجز مؤسسات رأت في التعدد تهديداً لا ثراءً.

كما أن الانفصال لم يحل الأزمة البنيوية، إذ فقد الشمال 75% من نفطه وفقد الغطاء الذي كان يستر ضعف المؤسسات الإنتاجية، بينما ورث الجنوب المؤسسات الهشة نفسها ففقد استقراره. وبالتالي، تظل القاعدة واضحة: تقسيم الجغرافيا لا يعالج أزمة المؤسسات.

*خامساً: ديسمبر المجيدة – لحظة مطالبة الشارع بدولة المؤسسات*

ونظير ذلك، جاءت ثورة ديسمبر 2018 لتقدم اللحظة الاستثنائية. فللمرة الأولى منذ الاستقلال يتوحد الشارع من حلفا إلى الجنينة حول شعارات واضحة: حرية، سلام، عدالة. ولأول مرة كان مشروع دولة المؤسسات مكتوباً على لافتات الشباب، وليس في غرف تفاوض مغلقة.

غير أن هذا المشروع أجهض مرتين في خمس سنوات: بانقلاب 25 أكتوبر 2021، ثم بحرب 15 أبريل 2023. ولم تكن الحرب صراعاً على السلطة بين الجيش والدعم السريع فحسب، بل صراعاً بين منطقين: دولة السلطة القائمة على الولاء للأشخاص، ودولة المؤسسات القائمة على حكم القانون.

*سادساً: التشخيص العميق – من احتكار الدولة إلى تفكيكها*

ولفهم طبيعة هذا الصراع، يكفي الرجوع إلى مقياس تشارلز تيلي الذي يرى أن الدولة الحديثة تستخرج الموارد بشكل منظم لتعيد توظيفها في الأمن والخدمات عبر مؤسسات خاضعة للمساءلة.

لكن في السودان انعكست الآية. فلم نعد أمام دولة واحدة، بل أمام تعدد جيوش، لكل منها اقتصاد مواز: الذهب، الموانئ، المعابر، والجباية خارج إطار الدولة. وعندما تتحول البندقية لأداة جباية، يصبح المواطن مورداً يُستنزف. لذلك لم يجد الخرطوم من يدافع عنه عند السقوط، لأن الناس لا تموت دفاعاً عن كيانات لا تمثلها.

*سابعاً: الطريق إلى الخلاص – من دولة السلطة إلى دولة المؤسسات*

وبناءً على ما تقدم، أثبتت سبعون عاماً أن المشكلة ليست في الموارد أو الكفاءات، بل في الانتقال من دولة السلطة إلى دولة المؤسسات. وهذا يتطلب عقداً اجتماعياً جديداً قائماً على أربع ركائز متكاملة:

مواطنة متساوية تلغي كل تمييز مؤسسي قائم على القبيلة أو الدين أو الجهة.

وحكم مدني لامركزي يقضي كلياً على حكم العسكر، ويقوم على نظام فيدرالي يبقي ثمانين بالمئة من عائد الموارد في الأقاليم المنتجة.

وعدالة وفرص عبر عدالة انتقالية بقضاء مستقل، وخدمة مدنية على أساس الكفاءة.

وأخيراً، إدارة التعدد بمؤسسات دستورية وثقافية وتعليمية تحتضن الهويات الفرعية وتحول التنوع إلى قوة.

*خاتمة: خطة العبور إلى دولة المؤسسات*

وبناءً على هذه الركائز، نحن في 2026 أمام خيارين لا ثالث لهما: إما حوار سوداني-سوداني يؤس لدولة المؤسسات، أو الاستمرار في دوامة حروب ربما تكون نتيجتها تفكيك ما تبقى من الوطن.

إذ يتطلب التحول مسارات متوازية تشمل تفكيك اقتصاد الحرب، وإصلاح المنظومة العسكرية والأمنية، والعدالة الانتقالية، وبناء المؤسسات الخمس الراسخة في الخدمة المدنية والقضاء والبنك المركزي والإعلام والتعليم، ومؤتمر دستوري جامع لا يكتبه المنتصرون.

ومن هنا يمكن استخلاص ثلاث حقائق حاسمة بعد سبعين عاماً من التجربة.

أولاً، أن أزمة السودان ليست نقص موارد أو كفاءات، بل عجز عن الانتقال من منطق السلطة والغنيمة إلى منهج المؤسسات والمواطنة.

ثانياً، أن كل سلام وقعناه بلا مؤسسات عدالة وتوزيع عادل للسلطة والثروة، لم يكن إلا هدنة تنتهي بجولة حرب جديدة.

وثالثاً، أن الكرسي لا يصنع وطناً، والمنصب لا يبني مدرسة، والرتبة لا تشفي مريضاً.

وإذا فشلنا في هذه المسارات، فإن البديل لن يكون حكومة أخرى، بل لا حكومة. والفراغ في السودان لا يبقى فراغاً، إذ تملؤه المخابرات الإقليمية وجماعات التطرف. لذا، فإن سبعين عاماً من التيه تكفي. إما أن نبني مؤسسات الوطن الآن، أو نُجبر على تشييع جنازته غداً.

الاىعاء 20 مايو 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!