
علاء الدين بشير – الشارقة
◼️هذا تداعى نادر من الدكتورة امانى الطويل ، ويعكس تطورا فى فهمها المزاج السوداني وتواضعا ايضا فى تعبيرها عن ذاتها المصرية عن ما كانت عليه فى اوقات سابقة . وهذان امران نادران عند المثقفين المصريين فى تعاطيهم مع قضايا السودان ومع نظرائهم السودانيين ، حيث لا تلمس عندهم نزوعا للتواضع او مراجعة لتصوراتهم ورؤاهم فى اى مسالة تتصل بالسودان. ومع ذلك فإنى ارى مراجعات امانى فيما يتصل برؤاها نحو السودان لم تجيئ بالقدر المطلوب فى هذا الظرف الحساس الذى يمر به السودان والسودانيين.
◼️حسب ما فهمت من المكنون بين سطور الدكتورة امانى الطويل هذه ان ما اطلقت عليها “تنهيدة” جاءت بأثر من كتاب الدكتور النور حمد الاخير (الهيمنة المصرية على السودان .. الصيحة الاخيرة قبل الابتلاع) رغم انها لم تشر الى ذلك ، وهو كتاب حظيت مقدمته وملخص محتوياته بتداول واسع عبر الوسائط منذ صدوره قبل اشهر ، واعيد تدوير المقدمة وملخص المحتوى اكثر من مرة بين فينة واخرى ، كما جرى تبادل نسخة الكترونية من الكتاب ايضا وإن كان ليس بالمستوى الذى راجت به المقدمة . وغالبا ما يكون وصل الى الحسابات الخاصة بالدكتورة امانى فى وسائل التواصل الإجتماعي المختلفة والى بريدها الالكترونى نسخة الكترونية من الكتاب وكذلك من المقدمة وملخص المحتوى ، اكثر من مرة ، وذلك بحكم اهتمامها الخاص كأكاديمية وباحثة بالسودان ، وكناشطة سياسية مصرية انتمت فى مرحلة ما لتيارات القومية العربية فى مصر . وبالتالى انزعجت من ما يمكن ان يتركه كتاب النور من اثر تعتقد انه سلبي فى وعى النخب السودانية والرأى العام السوداني إزاء مصر . وهى كباحثة واكاديمية مخضرمة وتنتمى لمؤسسات علمية مهمة فى مصر كجامعة عين شمس ومركز الاهرام للدراسات ، لا تعوزها الامكانية فى عمل قياس سريع للرأى العام حول المدى الذى اثّر به كتاب النور فى الجدل العام عن العلاقة بين السودان ومصر .
◼️انا اعرف الدكتورة امانى معرفة شخصية وهى كذلك تعرفنى بذات القدر ، نتيجة لهذه المعرفة اتصلت بى مهنئة حينما ذهبت الى القاهرة عريسا قبل سنوات وكانت هى وقتها بصحبة الصديق والزميل فائز السليك ، ودعتنى وعروسي للغداء فى الوقت الذى يناسبنى وكذلك فعل ايضا الصديق الراحل الدكتور هانى رسلان وكان بصحبة المحبوب عبد السلام ، ولكن لم تمكنى الظروف من تلبية الدعوتين . وقد اتفقت لنا هذه المعرفة قبل اكثر من عقدين حينما دعا مدير مركز الدراسات السودانية، الدكتور حيدر إبراهيم على ، سربله الله بثياب الصحة والعافية، نخبة من المثقفين والاكاديميين والكتاب المهتمين بالشان السودانى الى ندوة فكرية سياسية انعقدت فى الخرطوم فى العام 2004 عن العلاقات السودانية المصرية – نظرة جديدة . ومن موقعه ككاتب مشارك فى صحيفة “الصحافة” التى كانت اكبر صحف الخرطوم واوسعها انتشارا واكثرها تأثيرا فى ذلك الوقت ، طلب حيدر من ادارة الصحيفة وهيئة تحريرها الدخول معه فى شراكة تنظيمية للندوة . قبلت الصحيفة العرض وانخرطت معه فى التنظيم . تم انتدابنا زميلي وصديقي عارف الصاوى وانا بعد اختيار من الدكتور حيدر ، كمندوبين عن الصحيفة فى التنسيق والمتابعة وكذلك فى تغطية وقائع الندوة .
◼️من ابرز الاسماء التى اتذكرها وشاركت فى تلك الندوة من المثقفين المصريين الدكتور حلمى شعراوى ، رحمه الله ، والدكتورة إجلال رافت ،استاذة العلوم السياسية فى جامعة القاهرة ، والدكتور ، حسن نافعة ، استاذ العلوم السياسية فى جامعة القاهرة ، وفريدة النقاش ،رئيسة تحرير صحيفة الاهالى وممثلة لليسار المصرى ، الدكتور هانى رسلان ، مدير برنامج السودان بمركز الاهرام للدراسات السياسية ، رحمه الله ، وإبن الكاتب المصرى الكبير ، احسان عبد القدوس والصحافية روز اليوسف ، محمد عبد القدوس ، والدكتورة امانى الطويل ، الاستاذة فى جامعة عين شمس والباحثة فى مركز الاهرام ، مجموعة اخرى سقطت من الذاكرة بعضهم ممثلين لاحزاب تاريخية وقومية مصرية – اكتب هذه المداخلة وغير متاح لى الوصول الى شبكة الانترنت للبحث وتدقيق اسماء الذين شاركوا فى تلك الندوة – وبالطبع لا يمكن عقد فعالية كبيرة مثل هذه عن العلاقات السودانية المصرية ولا تكون زميلتنا العزيزة الشريفة اسماء الحسيني بين حضورها .
◼️كان مخططا عقد الندوة فى قاعة احد الفنادق طوال ايامها الثلاثة ، ولكن إدارة صحيفة الصحافة تقدمت بطلب الى وزارة الخارجية لاستضافة الندوة داخل مبانيها فى قاعتها الكبرى ، وقد افتتحها وزير الخارجية وقتها ، مصطفى عثمان اسماعيل بمشاركة السفير المصرى بالخرطوم وطاقم السفارة الى جانب عدد كبير من المثقفين والأكاديميين والسياسيين السودانيين خاصة من ما سمي وقتها (التجمع الوطنى بالداخل) حيث لم يكن اتفاق القاهرة الذى انهى الصراع بين التجمع الوطنى الديمقراطى ونظام الانقاذ قد ابرم بعد .
◼️رغم ان اولئك المثقفين المصريين قالوا عن انفسهم انهم لا يمثلون اية جهات رسمية فى مصر و انهم يريدون افتراع حوار عميق ومختلف متجاوز للترسبات والخلافات الكبيرة التى طبعت العلاقة بين مصر والسودان طوال عقود ، باعتبارهم جيل متخفف من تلك الاحمال ،لكن معظمهم لم يغادر فى مقاربته الخيال المصرى الراسخ فى نظرته للعلاقة مع السودان والسودانيين فيما عدا الراحل الدكتور حلمى شعراوى ، مدير معهد البحوث الافريقية ، الرجل العميق جدا فى معرفته بالسودان والسودانيين والمتواضع والمتوازن فى طرحه ، وكان ذلك حصيلة سنوات من العمل فى منشآت الرى المصرى بالسودان اتاحت له احتكاكا حقيقيا بالمجتمع السوداني فى طبقاته المختلفة ، إضافة الى الدكتورة إجلال رافت نوعا ما .
◼️الورقة التى اثارت الجدل الاكبر خلال تلك الندوة ، قدمتها الدكتورة امانى الطويل نفسها ، وكانت عن تأريخ العلاقات المصرية السودانية منذ الاستقلال ، وقد اعتمدت ورقتها فى جميع مراجعها على وثائق وزارة الخارجية المصرية ، الامر الذى كان محل انتقاد فى مفارقة الورقة لاسس البحث العلمى القائم على الحياد والموضوعية حتى من جانب بعض زملائها المصريين الذين يمثلون توجهات سياسية وفكرية مختلفة .اجتهدت امانى فى ورقتها تلك لتبرئة مصر من اي تهمة يرفعها السودانيين ضدها ابتداءا من الشراكة فى الاستعمار وانتهاء بنزعات الهيمنة السياسية والثقافية . كانت تتحدث بأستعلاء شديد جدا . ثم حينما وصلت حقبة الانقاذ انفعلت بطريقة غريبة جدا وقالت انها اسوأ مرحلة فى تاريخ العلاقات بين البلدين حيث هددهم الترابي بضرب السد العالى واغراق مصر وهو مستوى من التدنى فى الخطاب السياسي لم يحدث برايها ابدا خلال مسيرة العلاقات بين البلدين ، وكذلك اشارت الى مشاركة النظام السوداني فى محاولة إغتيال الرئيس المصرى الراحل حسني مبارك بالعاصمة الاثيوبية اديس ابابا عام 1995.
◼️حينما فتحت الفرص للمداخلات على ورقتها جوبهت بنقد قوى وموضوعى من كل المتداخلين السودانيين وكذلك بعض زملائها المصريين . لكن المداخلة اللاذعة والعنيفة فى الوقت نفسه كانت من صديقنا الصحافى الراحل محمد عبده محى الدين (معلوم عنه فى الوسط الصحفى انه كان صاحب احوال مثله مثل الراحل عمار محمد ادم يصعب اخضاعه لاى معايير خاصة بالذوق والموضوعية) ، انفجر محمد عبده فى وجهها قائلا: ياخى ما تصرخى فينا بالله ، كل الكوارث القلتى سببها ليكم الترابي ولا غيره من الكيزان المأفونين هى بضاعتكم ردت اليكم .. اصلا انحنا كل البلاوى الدمرت بلدنا جاتنا من مصر .. شيوعية واخوان مسلمين واستعمار قديم وحديث وخلافه … الخ) . كانت جرعة مبالغة فى عنفها اللفظى ليس بمقدورى نقلها هنا كما جرت فى القاعة وقتها . ران صمت مطبق بعد حديثه ذاك . حتى قام بعض السودانيين بتلطيف الامر على الضيوف عامة وامانى على وجه الخصوص .
◼️ايضا واثناء وجودى بأمريكا ، جاءت الدكتورة امانى الطويل الى هناك مبتعثة فى زمالة دراسية بجامعة جورج واشنطن . شاركتنا فى الاحتفال بذكرى استشهاد الاستاذ محمود ، طلبت من الاخ اسامة البيتي الذى كان يدير وقائع الاحتفال الترحيب بها من على المنصة ، واظن ذلك وقع فى نفسها موقعا حسنا . بعد الاحتفال طَلَبَت من دالى ترتيب لقاء خاص معه لانها تريد مناقشة بعض المسائل الفكرية التى طرحها فيما يخص قضية المراة . وافق دالى ووجهها للتنسيق معى لما رأى ان هناك معرفة سابقة بيننا . وبعد نحو اسبوعين التقيناها ذات مساء باحد مقاهى فرجينيا الاخوان دالى وعبد الله عثمان وعبد الجبار ابراهيم وانا . قالت لدالى انها قرات للاستاذ محمود بعض كتبه وتعرف المبادئ الاساسية لاطروحاته ، وترى ان ما كان يقوله دالى عن اوضاع المراة مهم للغاية ويحتاجون اليه بشدة داخل مصر . وقالت انها سترى امكانية ترتيب ندوة داخل مصر لطرح مثل هذه الافكار رغم انها تدرك جيدا صعوبة ذلك فى الاوضاع التى يعيشها المصريين تحت نظام مبارك (كانت معارضة لنظام مبارك واعتقد حاليا هى معارضة لنظام السيسي) . كان كلامها مدهشا بالنسبة لى اذ يستحيل ان يعتبر المصريين اى فكرة تنبع خارجهم مهمة بالنسبة اليهم ويزداد هذا اذا ما كان منشأ الفكرة هو السودان المستصغر جدا فى الخيال المصرى والفارغ من اى محتوى وينتظر ان يملأ بافكار صنع فى مصر!!.
رغم اتفاقها مع دالى على خطورة الاخوان المسلمين لكنها رأت ان حديثه حولهم فيه قدر كبير من المبالغة ، خصوصا بالنسبة لهم فى مصر ، اذ ترى ان الدولة المصرية قوية بما فيه الكفاية ليستحيل على الاخوان استيلائهم عليها . (المفارقة انه وبعد حوالى شهرين من الثورة المصرية ، نبهنى دالى لمقال كتبته امانى الطويل نفسها تحذر فيه من خطورة تحركات جماعة الاخوان المسلمين للهيمنة على الثورة وتشكيل المشهد السياسي فى مصر على مزاجهم).
المهم امضينا فى جلستنا معها تلك الامسية نحو ساعتين ونصف وانصرف كل منا لشأنه الذى يغنيه .
◼️كان سكنها قريب من سكني فى مدينة الاسكندرية بولاية فرجينيا ،اتصلت بي بعد اشهر من لقائنا الجماعى ذاك فى منتصف احد النهارات . التقينا فى مقهى يقع الى جوار سكنى . قالت ان زمالتها اوشكت على الانتهاء وستغادر الى بلادها بعد نحو شهر تقريبا . احضرت لى مجموعة من كتبها الخاصة التى استعانت بها على اللغة الانجليزية لاعانتى على إجادتها . عبّرت لى عن ضيقها الشديد من الاوضاع فى مصر ، وكانت يائسة جدا من امكانية حدوث اى تغيير فى بلادها ،قالت المصريين مش زى السودانيين ، انتوا ممكن تحملوا السلاح ضد النظام لما ترفضوه.
◼️قبيل تصويت الجنوبيين على حق تقرير مصيرهم بعد انتهاء فترة الست سنوات التى حددتها اتفاقية السلام فى العام 2011 ، نظم منبر السودان الديمقراطي (منظمة مجتمع مدني سودانية امريكية) فى واشنطن ، ندوة بعنوان: (تقرير المصير ومشكلة قسمة مياه النيل) ، تحدث فيها خبير قوانين المياه واستاذ القانون المعروف ، الدكتور سلمان محمد احمد سلمان ، مبينا ان ملف مياه النيل سيمثل معضلة كبيرة لان اتفاقية السلام لم تقل بخصوصه شيئا ، متسائلا ما اذا كانت حصة ال18 مليار متر مكعب الموقعة بين حكومتى السودان ومصر ستؤول للسودان بينما يفاوض الجنوب مرة اخرى على حصة خاصة به ، مشيرا الى التطورات الجارية فى ذلك الوقت حول مطالب دول حوض النيل بإعادة التفاوض حول اتفاقية مياه النيل مع مصر لأنها حينما ابرمت كانت اغلب دول الحوض تحت الاستعمار الاجنبي ، مستعرضا الاتفاقية الاطارية الجديدة المطروحة من قبل دول الحوض وما اذا كانت دولة جنوب السودان المستقلة ستنضم اليها ما يحتم على مصر اعادة التفاوض من جديد ، ودعم فرضياته هذه بحجج وافية من القوانين الدولية مستعرضا الظلم التأريخى الواقع على السودان نفسه من اتفاقية مياه النيل ومن استتباع مصر للانظمة السودانية المتعاقبة فى هذا الخصوص ، ضاربا المثل بأتفاقية انشاء السد العالى وكذلك إنشاء خزان جبل اولياء الذى اعتبره السابقة الاولى فى العالم التى تقيم فيها دولة منشأة فى بلد اخر دون ان تكون الدولة المستخدم اراضيها مستفيدة اى قدر من الفائدة من المنشأة المقامة على اراضيها . وطبعا معلوم رأى ومواقف د. سلمان القوية جدا فى هذا الخصوص . وحينما فتحت الفرصة للمداخلات كانت الدكتورة امانى الطويل من بين الحضور واخذت فرصتها ،وقد تحدثت بغضب هستيري حمل نبرة تهديد واضحة فى الرد على د. سلمان ، الامر الذى اثار استغراب الحضور ود. سلمان نفسه ، وكأنه من المحرمات ان يفكر اى سوداني خارج التابوهات المصرية فى السودان وعلى رأسها مسالة مياه النيل هذه . ولعل ذلك ما جعل بعض الجهات الاستخبارية تحذر د. سلمان من مجرد العبور بالاجواء المصرية فى اسفاره الى السودان وافريقيا ، وهو ما قاله لنا فى العام 2014 فى داره فى حى العمارات بالخرطوم بعد عرض وتنوير قدمه لنا نحن ستة من الزملاء الصحافيين عن كتابه الصادر حديثا وقتها : (مسؤولية القوى السياسية الشمالية عن إنفصال جنوب السودان).
◼️بناءا على هذه الخلفية من الوقائع اضافة الى ارشيف مقالاتها عن السودان قلت ان امانى الطويل تطورت وتواضعت ونزلت الى مناقشة موضوعية من خلال النقاط التى اثارتها وحاججت بها فى دحض الهيمنة المصرية . والسجال فى هذا الخصوص قديم بين المثقفين السودانيين والمصريين وقد كتب الدكتور عبد الله على إبراهيم ، ورقة بعنوان: (الافتراء ودفع الافتراء .. جنس فى الخطاب السوداني حيال مصر) قدمها فى مؤتمر للعلاقات السودانية المصرية نظمه معهد الدراسات الافريقية والاسيوية بجامعة الخرطوم فى ثمانينيات القرن الماضي وضمن الورقة فى كتابه (الثقافة والديمقراطية فى السودان) . ورغم اننى لم اكمل قراءته ولكن كتاب الدكتور النور حمد كان الاجرأ والاكثر حدة فى تقديرى وإن كان تخللته نبرات الغضب ما افقد التحليل فى بعض الاحيان الرصانة والموضوعية اللازمتين فى شأن شائك ومعقد مثل العلاقة مع مصر .
◼️ما اعتبرته امانى الطويل قوة مصرية ناعمة جعل لمصر حضور تلقائى فى العالم وفى السودان ، ليس كله صحيحا ، فالخطاب الاعلامى المصرى كان وثيق الصلة بخطاب الدولة المصرية السياسي والديبلوماسي الذى ينظر الى المسالة السودانية دائما من عليائه وتصوره للامن القومى المصرى والعربي المجدول من قماشة القومية العربية ومن ثم إستتباع الانظمة ومؤسسات الدولة السودانية المتعاقبة خاصة الاجهزة الامنية والعسكرية . وكان لذلك فى اغلب الاحيان اثره السلبي على الوحدة الوطنية فى السودان ومعوقا لمحاولات بناء مشروع وطنى سوداني جامع قائم على خصوصية التنوع الثقافى والتعدد الاثنى والديني .
لم يكن ما اعتبرته امانى نموذجا مصريا فى التحول من الانتماءات الاولية – القبلية والاثنية والعشائرية الى الدولة الوطنية وهو واقع صحيح، ملهما لاغلبية السودانيين ، ولم تعمل القوى السياسية السودانية على استجلابه . لانه نموذج لم ينشأ على الحوار والديمقراطية بين المكونات المختلفة ، وإنما اُبتُني تحت قهر التسلط الاجنبي الذى ظل يحكم مصر لفترات طويلة وممتدة فى التأريخ والذى ورثته منهم الدولة المصرية عقب ثورة يوليو 1953 ، وهو قهر جعل النخبة المصرية نفسها واقعة تحت قبضته الشديدة ولا تستطيع الفكاك منه وانتاج رؤى مستقلة عن تصوراته حتى وهى تتعاطى مع جوارها كما نلمس ذلك من النخب المصرية فى نظرتهم للمسألة السودانية ، بينما كان مطلب الديمقراطية فى طبقاتها المختلفة هو المطلب العزيز الذى سعت له ولا تزال مختلف القوى السياسية فى السودان على تفاوت بينها فى المسعى . ربما كان النموذج المصرى هذا نموذجا يُحتذى بالنسبة للاجهزة الامنية والعسكرية السودانية ، وهذا امر مفهوم لانها تشكلت كما اسلفت وفقا لعقيدة نظيرتها المصرية وهو امر ظل محل جدال ونظر داخل السودان خاصة بعد الثورة المجيدة .
◼️صحيح ان ممتهنوا الدراما والسينما والفن فى مصر بصورة عامة لم يعقدوا النية حينما انخرطوا عالمها على توظيفها اداة للقوة الناعمة والتاثير ، ولا اظن ان نواياهم تعدت الامتاع واكل العيش . كما انى لا اظن ايضا ان الدولة المصرية فكرت فى البدايات فى توظيفها كاداة للتاثير الثقافى والترويج لمصر فى محيطها الناطق باللغة العربية إلا فى فترات لاحقة وعبر اعمال سينمائية ودرامية بعينها ، لان الفن فى مصر نشأ فى حواضن الجاليات الاجنبية التى عاشت فى مصر وتمصّرت بأخرة كما ان رأس المال المُموّل للفن ايضا كان من تلك الاوساط ، ولذلك فإنى لا اظن ان الدراما المصرية قصدت عن عمد تنميط السوداني فى ادوار وفكرة معينة ، فالصعيدى والفلاح والنوبي والبدوى كانوا منمطين فى مفاهيم مستقاة من الوعى الإجتماعى حسب تطور المجتمع ووعيه بمكوناته فى مصر .
لكن ظلت الدولة المصرية وعلى مر الحقب واعية لدور الازهر فى الهيمنة الفكرية ليس على الشعوب الاخرى فحسب ولكن حتى على المصريين انفسهم ،حيث ظل الازهر احد حراس الفكر الديني التقليدى الاشداء الذى يقمع الحقوق ويلبي مطلوبات الحكام من خلال فتاوى التكفير ومنع الخروج على الحاكم . وهو الراعى الرسمى لاغلب المؤسسات الدينية الرسمية فى العالم الاسلامى . وهو فى تقديرى وتقدير كثيرين ليس مؤسسة اسلام وسطى وقد جهر بذلك مثقفون وكتاب ومفكرون مصريين ولكن كان مصيرهم غياهب السجون .. الوسطية عنده حسب الطلب .
لكن مصر فقدت جزءا كبير من قدرتها على التأثير والقوة الناعمة ليس فى محيطها العربي والاسلامى ولكن حتى داخلها . وقد تراجع هذا التأثير لصالح عواصم خليجية مثل الدوحة ودبي وابوظبي والدوحة . اضافة الى تركيا التى اصبحت تزاحم بانتاجها الثقافى داخل العالم العربي والاسلامى بقوة كبيرة من خلال الاعمال الدرامية والسينمائية المدبلجة الى العربية وكذلك الاعمال الفكرية والروائية المترجمة ووسائل اعلامها وديبلوماسيتها التى تشكل الراى العام العربي والاسلامى بقوة لصالح رؤيتها للعالم . واذكر ان الصحافى والاعلامى والكاتب المصرى المرموق ،ابراهيم عيسى كتب مقالا فى قبل اشهر من الثورة المصرية فى صحيفته التى كان يراس تحريرها “المصرى اليوم” بعنوان (مصر ليست دولة كبيرة) فنّد فيه بالحجج والاسانيد الدامغة السردية القائمة على ان مصر هى ام الدنيا وانها دولة كبيرة ومؤثرة ، وهى السردية التى استمدت منها امانى الطويل حجاجها وظلت عبر الزمن وقودا لافكارها ومقارباتها لشأن العلاقة بين مصر والسودان.
◼️لم تكن اغلب تأثيرات مصر على مجريات الاحداث فى السودان قائمة على ما اسمته امانى (الثقل الحضارى المصرى) الطبيعى وليس بفعل إكراهات الهيمنة . لا احد ينكر التفوّق النسبي لمصر على السودان فى اغلب المجالات ، لكن السودانيين سعوا دائما لمشروع نهضة يشبههم وغير متأثر بهذا الثقل الحضارى المصرى لانه كما اسلفت لم يكن نموذجا يناسبنا ولا مغريا لاغلب قوانا السياسية ، فمنذ ان اختار السودانيين الاستقلال التام عن بريطانيا بعيدا عن التبعية لمصر ، ظلت مصر الرسمية تتربص بهذه النزعة الاستقلالية وتقوم بؤأدها فى كل منعطف من منعطفات تاريخنا السياسي من خلال دعمها للانظمة القمعية المرفوضة من الشعب السوداني وإستتباعها لها . ظل يهيمن على الوعى الرسمى والنخبوى المصرى ان ترجيح السودانيين الاستقلال عن بريطانيا ومصر تم بتأثير من دوائر صهيونية عالمية ، وقد ظهر مثل هذا الراى لاحقا فى كتابات واراء لاكاديميين وكتاب مصريين ، ولكنه ظل على الدوام يشكل النظرة المستبطنة فى مقاربات اجهزة الدولة الرسمية لما يجرى فى السودان ، حيث وقفت الدولة المصرية دائما ضد تطلعات السودانيين للحرية والديمقراطية وإبتناء نموذجهم الخاص وشق طريقهم فى علاقاتهم مع الامم وفقا لمصالحهم وخياراتهم المستقلة ، وكان وضع العراقيل امام ثورة ديسمبر المجيدة وحكومتها الانتقالية ثم وأدها بأخرة بدعم مصرى خليجى مفضوح ، هو الدليل الساطع على إكراهات الهيمنة المصرية وليس الثقل الحضارى كما اسمته امانى .
◼️ما ذكرته امانى الطويل عن الازمة النفسية للمثقفين السودانيين فى مواجهتهم لسؤال الهوية المعقد وهل نحن عرب ام افارقة ، صحيح ، ولكن ظل نقدهم لما يروه هيمنة مصرية ليس ردة فعل لهذه الازمة النفسية ،بل هو ردة فعل على دور مصر المعّوق دوما للسعي الجاد لحسم هذا السؤال ديمقراطيا فى اطار الجدل والحوار بين المكونات الثقافية والاثنية السودانية المختلفة وهو حوار ظل يأخذ اشكال وتمظهرات مختلفة تصل فى مداها الاقصى الى حد حمل السلاح ضد إكراهات الدولة الاحادية كما اشارت لى امانى الطويل نفسها فى جلستنا بامريكا . لكن الدولة المصرية بحكم انها دولة مواجهة مع إسرائيل ومن ورائها نخبها ، ظلت على الدوام تنظر لهذا الجدل السوداني الخاص من خلال عدسة الصراع مع اسرائيل ، وانه ليس الا مقدمة لعزل السودان عن محيطه العربي وبالتالى احاطة العدو الاسرائيلي لها فى خاصرتها الجنوبية ، وهو لعمرى نوع غليظ جدا من الوصاية . فالسودانيين يعرفون واجبهم حيال الجوار وما يجرى بينهم هو جدل لمعرفة كيف يتعايشون فيما بينهم ، ويعيشون فى جغرافيتهم الافريقية بحضارتهم الضارية الجذور فى عمق التأريخ قبل ان يصبح سؤال الانتماء للعروبة الذى لم يبلغ عمره قرنا من الزمان ، يمثل مأزقا نفسيا بالنسبة اليهم ، كان السعى دائما للتواضع على هوية وذاتية سودانية إنسانية معتزة بإنتمائها الافريقى ولا تنكر وشائجها الثقافية وحتى الدماء العربية لدى البعض ، ومع ذلك ظلت الدولة المصرية تتدخل بقوتها الناعمة والغليظة معا من خلال ائمة الازهر المبتعثين الى السودان ومن خلال الفتاوى المباشرة لمشيخة الازهر فى اطار الخطاب التعبوى التجييشى لمواجهة الخطر والمؤامرة الصهيونية الامريكية المسيحية التى تهدد العروبة والاسلام فى السودان الشقيق!! ، وهو خطاب يستبطن إبقاء السودان داخل حظيرة الهيمنة المصرية .
◼️إننى اثمن عاليا فتح د. امانى الطويل لهذه المناقشة الجريئة ورميها الكرة فى ملعب المثقفين السودانيين . واريدها ان تعى جيدا ان اغلبية السودانيين لا يعادون مصر ولا يمكنهم ذلك لأن العلاقة بين السودان ومصر هى اكثر العلاقات طبيعية للتأريخ الوشائج الكثيرة المشتركة التى لا انفصام لها ، ولكنهم يعادون ويرفضون ما يرونه حقا لا توهما سياسات هيمنة وقطع للطريق من الشقيقة الكبرى لاحلامهم وتطلعاتهم فى الاستقلالية وافتراع النموذج الذى يناسبهم .
هذا مع مودتى وتقديرى
20 مايو 2026




