حراك عواصم اللجوء والشتات: هل تُعيد الحوارات السودانية صياغة المشهد السياسي وتكسر جمود “مربع 15/ابريل 2023م؟
عماد جدو

عماد جدو
بينما تطحن الحرب العبثية ما تبقى من الأخضر واليابس في السودان، وتتحصن أطراف العنف خلف لاءات السلاح، تشهد العواصم الإقليمية والدولية حراكاً سياسياً محموماً تعود فيه القوى المدنية والسياسية إلى الواجهة. من نيروبي ، وصولاً إلى اللقاءات المرتقبة في أديس أبابا، في بداية شهر يونيو. يبدو أن هناك محاولة لضخ دماء جديدة في عروق العمل المدني السوداني، الذي اتهمه الكثيرون بالوقوف طويلاً في “مربع 15/أبريل 2023م” دون تطوير أدوات تواكب حجم الكارثة.
تحولات الداخل والخارج، و قد إعاد المجتمع الدولي تعريفه للصراع،. تفرض أسئلة جوهرية: هل أفاقت القوى السياسية من غفوتها؟ وما هي أهمية هذه الحوارات في ظل انسداد الأفق العسكري؟
شهدت العاصمة الكينية نيروبي مؤخراً التقاءً ذو دلالات سياسية هامة، تميز بحضور رئيس الوزراء السابق د. عبد الله حمدوك، ومشاركة قيادات وازنة من “تحالف صمود”، وقيادة “حركة تحرير السودان” برئاسة عبد الواحد محمد نور، إلى جانب “حزب البعث العربي الاشتراكي”، وفصيل من “تجمع المهنيين السودانيين”.
تكمن أهمية لقاء نيروبي في كونه جمع بين تيار “الكتلة المدنية” التقليدية وحركات كفاح مسلح ظلت تاريخياً متشككة في النخب المركزية (كحركة عبد الواحد نور)، وهو ما يمثل اختراقاً في جدار الثقة المفقودة. بالتوازي مع ذلك، وتتجه الأنظار إلى أديس أبابا لاستضافة جولة حوارية جديدة تهدف إلى توسيع جبهة مناهضة الحرب.
إعادة تعريف الصراع: المجتمع الدولي يحدد بوصلته
يأتي هذا الحراك المدني في وقت شهد فيه الموقف الدولي والإقليمي تحولاً دراماتيكياً. لم يعد العالم ينظر إلى حرب السودان كـ “نزاع بين جنرالين” فحسب، بل أعاد تعريف الصراع بوضوح.وملامح التحول الدولي
قامت الولايات المتحدة الأمريكية بتصنيف الحركة الإسلامية السودانية (التي يصفها الشارع بالقوى الظلامية أو “الداعشية”) كتنظيم يعرقل السلام ويغذي الإرهاب، وهو موقف وجد تأييداً واسعاً من دول أوروبية وعربية وأفريقية.
تحديد المسؤولية: ألقت القوى الدولية اللوم على كوادر النظام البائد والضباط الأيديولوجيين داخل القوات المسلحة، معتبرة أنهم المحرك الأساسي لاستمرار الحرب واختطاف القرار العسكري.
أهمية الحوارات: هل تخرج القوى المدنية من “مربع غفوتها”؟
تكتسب هذه اللقاءات أهمية قصوى في ظل التمسك الأعمى لخيار الحرب من قبل نخب النظام القديم تحت شعارات إقصائية مثل “البل لآخر جنجويدي وقحاطي”، دون تقديم أي رؤية أو برنامج سياسي أو اقتصادي يشرح للسودانيين جدوى هذه المحرقة المستمرة.
كسر احتكار صوت البندقية
تثبت هذه الحوارات أن هناك “أغلبية صامتة” وكتلة مدنية حرجة ترفض الحرب، وأن الحل العسكري بات مستحيلاً. وجود أرضية مشتركة تسعى لوقف الحرب وتشكيل حكومة انتقالية مدنية هو البديل الوحيد لسيناريو تفتيت الدولة.
صناعة “الضمانة الأخيرة”
الهدف الأساسي لهذه اللقاءات ليس مجرد تقاسم سلطة، بل صياغة دستور وهياكل تضمن أن تكون حرب 15 أبريل 2023 هي “آخر الحروب السودانية” عبر مخاطبة جذور الأزمة (المواطنة، هيكلة الجيش، العدالة الانتقالية).
معضلة الإقصاء: “تحالف تأسيس” والفرص الضائعة
رغم إيجابية هذه اللقاءات، يبرز تساؤل مشروع يتردد في أروقة النخب السياسية: لماذا يتم تجاوز الرؤى النظرية والعملية الناضجة؟
يبرز هنا نموذج “تحالف تأسيس”، الذي يمتلك مشروعاً متكاملاً يتمثل في “دستور 2025م”، ويطرح بنية تحتية جاهزة لإنشاء جهاز قضائي وعدلي مستقل، وسلطة تنفيذية قادرة على إدارة الأزمة. يقوم طرح “تأسيس” على مبادئ التعدد، التنوع، صون كرامة المواطن، وتطبيق العدالة دون تمييز عِرقي، ديني، أو جهوي.
إن حصر الحوارات في قوى محددة وإغفال تحالفات مثل “تأسيس”، أو حتى عدم التنسيق الكامل مع “تحالف صمود”، “الحركة الشعبية (عبد الواحد نور)”، “تحالف الجذريين”، والتيارات الديمقراطية المستنيرة، يوضح أن بعض القوى التقليدية ما زالت تمارس “خلط الأوراق” والتصنيف الحاد، مما يهدد بإنتاج اتفـاقات هشـة لا تعبر عن العمق الاستراتيجي للمشكل السوداني.
المقاربة السياسية المطلوبة: فرز المعسكرات.
الحقيقة التي يجب أن تعيها القوى المجتمعة في نيروبي . وأديس أبابا هي أن المعركة السياسية اليوم لم تعد صراعاً بين أحزاب، بل هي صراع بين مشروعين.
معسكر السلام والدولة المدنية الذي يسعي لوقف الحرب فورا وصياغة دستور ديمقراطي الذي يضم هذه القوي (تحالف تأسيس وتحالف صمود وتحالف الجذريين وحزب البعث والمستنيرين من الجبهة الديمقراطية وحركة عبد الواحد محمد نور) والذي يهدف الي بناء دولة المواطنة دون تمييز
معسكر استمرار الحرب والامتيازات
يتمسك باستمرار الحرب للحفاظ على امتيازاته التاريخية. فهو بقيادة الحركة الإسلامية الداعشية
والنخب المستفيدة من اقتصاد الحرب
يرفع شعارات إقصائية تخلو من أي برنامج تنموي أو سياسي. وتعتمد رؤيته علي بث خطاب الكراهية وان دعي الأمر الي تقسيم السودان حتي يضمنو وجودهم في كرسي الحكم.وهذه الشعارات لاتنتج الا وطن ممزق وشعب مشرد.
إن استفاقة القوى السياسية المدنية من “غفوتها” ما زالت منقوصة ما لم تتخلص من العقلية والذهنية القديمة التي فشلت في الاعتراف بالاخر .
. ان النظرة الموضوعية لمعسكر السلام وتنحصر رؤيتهم في بناء دولة المواطنة دون تمييز. لجهة او دين او عرق. هذه المبادي العامة متفق عليها من تلك القوي والتحالفات وهي. بمثابة أرضية مشتركة. تعمل علي تطوير هذه الارضية .
. إن نجاح حراكي نيروبي وأديس أبابا رهين بقدرة هذه القوى على فتح ذراعيها لكل الأطروحات الجادة، وعلى رأسها أطروحات “تحالف تأسيس” ودستور 2025.
الكرة الآن في ملعب القوى المدنية؛ فإما أن تتوحد على أرضية مشتركة تُنهي الحرب وتؤسس لدولة العدالة، أو تترك السودان لقمة سائغة لشعارات الدمار الشامل التي لا تنتج إلا وطناً ممزقاً وشعباً. مشرداً.واما الخضوع للاجندة الدولية والاقليمية التي تختلف نظرتها للصراع وتختلف جملة وتفصيلا. من نظرة الداخل .




