
التنوير نيروبي
حمدوك وعبد الواحد والسنهوري والزيلعي ونفيسة حجر يدعون إلى إنهاء الحرب وبناء وطن جديد قائم على السلام والديمقراطية والعدالة

انطلقت اليوم الجمعة بالعاصمة الكينية نيروبي أعمال الجلسة الافتتاحية لاجتماع قوى إعلان المبادئ السودانية لبناء وطن جديد، وسط مشاركة واسعة من القيادات السياسية والمدنية والفكرية السودانية، في خطوة وصفها مشاركون بأنها تمثل محاولة جادة لإعادة فتح المسار السياسي السوداني وبناء أرضية وطنية مشتركة لإنهاء الحرب المستمرة في البلاد.

وشهدت الجلسة الافتتاحية حضور ومخاطبات عدد من أبرز القيادات السياسية والفكرية السودانية، على رأسهم الدكتور عبد الله حمدوك، والأستاذ عبد الواحد محمد النور، والأستاذ علي الريح السنهوري، والدكتور صديق الزيلعي، والأستاذة نفيسة حجر، إلى جانب مشاركة الشاعر السوداني المعروف عالم عباس، الذي اختتم الجلسة بكلمة حملت أبعاداً رمزية ووطنية وإنسانية.

وركزت كلمات المتحدثين على ضرورة تجاوز حالة الانقسام الحاد التي يعيشها السودان، والعمل على تأسيس مشروع وطني جديد يقوم على الحوار والتوافق والشراكة الواسعة بين مختلف السودانيين والسودانيات، بعيداً عن منطق الحرب والإقصاء والاستقطاب.
وأكد المشاركون أن السودان يقف اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة تتطلب إعادة التفكير في شكل الدولة وطبيعة السلطة والعلاقة بين المركز والهامش، مشددين على أن استمرار الحرب يعني اتساع دائرة الانهيار الإنساني والسياسي والاقتصادي بصورة تهدد وجود الدولة نفسها.
ودعا رئيس الوزراء السوداني السابق الدكتور عبد الله حمدوك، خلال كلمته، إلى بناء أكبر جبهة مدنية وسياسية مناهضة للحرب، مؤكداً أن وقف القتال يمثل المدخل الأساسي لأي عملية سياسية حقيقية يمكن أن تقود إلى السلام والاستقرار والتحول الديمقراطي.
وقال حمدوك إن الشعب السوداني “دفع ثمناً باهظاً للحرب والانقسامات”، وإن الوقت قد حان لفتح أفق جديد يقوم على الحوار والتوافق الوطني، لا على السلاح والعنف، مضيفاً أن أي مشروع لبناء السودان الجديد يجب أن ينطلق من الاعتراف بالتنوع السوداني وضمان العدالة والمواطنة المتساوية.

من جانبه، شدد رئيس حركة جيش تحرير السودان عبد الواحد محمد النور على أن جذور الأزمة السودانية ترتبط بطبيعة الدولة القديمة التي فشلت – بحسب تعبيره – في إدارة التنوع وتحقيق العدالة، مؤكداً أن أي تسوية لا تعالج جذور الأزمة بصورة حقيقية ستقود إلى إعادة إنتاج الحرب من جديد.
وأكد عبد الواحد أن بناء وطن جديد يتطلب تأسيس دولة تقوم على مبادئ الحرية والعدالة والمساواة، وإنهاء كافة أشكال التهميش والإقصاء السياسي والثقافي والاجتماعي.

أما الأستاذ علي الريح السنهوري، فقد دعا إلى توحيد الجهود المدنية والسياسية لمواجهة ما وصفه بـ”الانهيار الوطني الكبير”، مؤكداً أن القوى السودانية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بالعمل المشترك لإنقاذ البلاد من التفكك والانقسام.
وفي السياق نفسه، قال الدكتور صديق الزيلعي إن السودان يمر بمرحلة شديدة الخطورة تتطلب مراجعات عميقة لكل التجارب السياسية السابقة، مشيراً إلى أن الحرب الحالية كشفت هشاشة البنية السياسية والدستورية للدولة السودانية.

وأضاف أن أي مشروع وطني جديد يجب أن يستند إلى عقد اجتماعي جديد يضمن الحقوق والحريات ويؤسس لدولة مدنية ديمقراطية عادلة.
بدورها، أكدت الأستاذة نفيسة حجر أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه النساء السودانيات في صناعة السلام وإعادة بناء الدولة، مشددة على ضرورة مشاركة النساء والشباب بصورة حقيقية في أي عملية سياسية قادمة.

وقالت إن الحرب خلفت أوضاعاً إنسانية كارثية دفعت النساء والأطفال الثمن الأكبر لها، الأمر الذي يجعل من إشراكهم في صناعة المستقبل قضية أساسية لا يمكن تجاوزها.
وفي ختام الجلسة الافتتاحية، قدم الشاعر عالم عباس مداخلة حملت مضامين وطنية وثقافية وإنسانية، دعا فيها إلى استعادة روح السودان الجامعة، وإحياء قيم التعايش والتسامح والعدالة، باعتبارها الأساس الحقيقي لبناء وطن يتسع لجميع أبنائه.

وشهد الاجتماع نقاشات موسعة بين المشاركين حول سبل إنهاء الحرب، وتعزيز التنسيق بين القوى السياسية والمدنية، وبناء رؤية مشتركة لمرحلة ما بعد الحرب، وسط تأكيدات متكررة على ضرورة الحفاظ على وحدة السودان ومنع انزلاقه نحو مزيد من الانقسام والتشظي.
وأكدت قوى إعلان المبادئ السودانية لبناء وطن جديد، في بيان صادر عقب الجلسة الافتتاحية، أن اللقاء يأتي في إطار الجهود الرامية إلى فتح حوار سوداني واسع وشامل يهدف إلى إنهاء الحرب وتحقيق السلام والاستقرار والديمقراطية.

وشدد البيان على أهمية العمل الجماعي والتنسيق بين مختلف القوى السودانية من أجل الوصول إلى حل سياسي شامل يعالج جذور الأزمة السودانية، ويحقق تطلعات الشعب السوداني في الحرية والسلام والعدالة والاستقرار.
ويرى مراقبون أن اجتماع نيروبي يمثل مؤشراً على تصاعد الحراك السياسي والمدني الساعي إلى كسر حالة الجمود التي فرضتها الحرب، ومحاولة إعادة الاعتبار للمسار السياسي بعد شهور طويلة من التصعيد العسكري والانهيار الإنساني.
كما يعتبر الاجتماع محاولة لإعادة بناء تحالفات مدنية وسياسية جديدة قادرة على طرح رؤية بديلة لمستقبل السودان، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع رقعة الحرب وتحولها إلى صراع طويل الأمد يهدد وحدة البلاد ومستقبلها السياسي والاجتماعي.

ويأتي هذا الحراك السياسي بالتزامن مع ضغوط إقليمية ودولية متزايدة للدفع نحو وقف إطلاق النار واستئناف العملية السياسية، وسط تحذيرات أممية متكررة من خطورة الأوضاع الإنسانية والانهيار المتسارع لمؤسسات الدولة السودانية.
وبينما تستمر المعارك في عدة مناطق من البلاد، تبدو قوى إعلان المبادئ السودانية لبناء وطن جديد وكأنها تحاول طرح مقاربة مختلفة تقوم على الحوار وبناء التوافقات الوطنية، في مواجهة واقع سياسي وعسكري شديد التعقيد.
وفي ظل الانقسامات الحادة التي تعيشها الساحة السودانية، يظل السؤال الأبرز المطروح: هل تنجح هذه المبادرات السياسية والمدنية في فتح نافذة حقيقية نحو السلام، أم أن صوت الحرب سيظل أعلى من كل محاولات التوافق وبناء الوطن الجديد؟




