الخذلان

إسماعيل عبدالله
من أمر مرارات الحياة الخذلان، سواء كان الخذلان الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي، ومن أشدها وقعاً على النفس هو الخذلان السياسي لأنه يتعلق بمصير الأمم ومستقبل الأجيال، فاذا كنت ذا مشروع اجتماعي – صداقة وزواج وغيرهما وحدث الخذلان تكون الخسارة محدودة، ولو نظرنا لما تعرض له الترابي من تلامذته وما حاق بالنميري من صديقه سوار الدهب بصرف النظر عن دكتاتورية النميري وانتهازية الترابي نرى أن العواقب كانت وخيمة على مستوى الرجلين، فالأول مات مغموماً محسورا والثاني كذلك، لذلك حذر الله سبحانه تعالى من المنافقين ومن كيد الكائدين في كثير من آيات القرآن الكريم، ذلك أن المنافق والكائد هما من أكثر الناس اضراراً ببني آدم، والخذلان يأتيك من طرف المنافق أكثر منه الكائد، لأن الكائد غالباً ما يكون في صف العدو أما المنافق الذي هو في الدرك الأسفل من النار هو ذلك الصديق والحليف الذي يبدي لك تظاهراً بالوفاء والاخلاص، لكن في حقيقته لا يكن لك أدنى قيمة من قيم الوفاء والعرفان، لذلك تكون الصدمة داوية حين يحدث الخذلان، هذا غير ما يترتب من خسارة مادية ومعنوية جراء هذا التخلي والاستغناء الرخيص في ساعات الحاجة الملحة والضعف البشري المهين، بعد أن سادت الأجواء التمظهرات الحميمة المنافقة والتعهدات الكاذبة، لذلك كان رسولنا الكريم يحرص على تقييم الصادقين بمدى حرصهم على حضور صلاة الفجر التي يغالب بعضهم النوم فيتواكلون ولا يؤدونها، فتفضحهم نفوسهم الميالة الى التراخي والتحايل.
عندما نسقط ظاهرة الخذلان على السودان الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، نلحظ أنه وفي حقبة ادعياء الدين قد تفاقمت الظاهرة، فصار الفرد يقدس القيم المنحرفة مثل أكل أموال الناس بالباطل كالسرقة والاختلاس والاحتيال، فقدت الثقة بين الناس، وطغت حياة المظاهر الخادعة والركض وراء تحقيقها حتى ولو على حساب ما يملكه الفرد من قيمة مادية أو معنوية، واصبح الحصول على شخص صادق أمين مثل البحث عن كائن فضائي آت من عالم المجرات البعيدة، فتجلت كل آيات المنافقين والناشزين في حاضرنا اليوم، وكل ما قرأناه من سير وأخبار المتخاذلين رأيناه رأي العيان والبيان، كائنات تمشي على ساقين، رأينا ابن الخالة الذي سرق منزل خالته بعد أن اخرجتها الحرب مرغمة من بيتها فتلصص وتتبع اخبارها حتى اطمأن من خلو المنزل فطفق يكسر حديد الأبواب والشبابيك حتى تمكن من الولوج فسرق كل شيء وباعه للصوص، وأولئك الذين يرسلون الوشاية لهذا الطرف او ذاك من الحرب مما أودى بحياة الكثيرين الذين يصبحون أحياء ويمسون أموات تحت ركام بيوتهم، وكم من طامح في موقع سياسي اعترضه سدنة ومستشارو الطرفين فحرموه بلوغ المرام المشروع فقذفوا به على قارعة الطريق بعد أن كان ملء السمع والبصر، هذه الحرب أخرجت أسوأ ما في النفس السودانية من شر وغرور وغربة عن الدين والخلق القويم، لذا جاءت صرصر 15 أبريل بما كسبت أيدي الناس.
كيكل والقبة والسافنا مهما قدموا من مبررات الا أنهم في خاتمة المطاف خانوا العهد ونقضوه، ولن يرحمهم التاريخ، فحتى عصابات المافيا اللاتينية لها أخلاقيات مهنية رغم خطأ مسلكها، المتخاذل مهما ظن أنه بالغ شأو لن يجد غير الخذلان المقابل، لأن من يسرق بيت أبيه ليطعم اللصوص لن يجد لصاً يطعمه اذا جاع ولن ينجده احد اذا خر صريعاً أو جريحا، فليكن الرجل رجلاً قبل أن يمد يده لمصافحة الرجال، وليمت شامخ الرأس مهما تكالبت عليه المحن والإحن، وليتخير الحياة التي تسر الصديق أو الممات الذي يغيظ العدا، وأن لا يصادق المنافقين الذين لا عهد لهم ولا يتبع الضعفاء الذين يرتجفون من ظلالهم، وليمحص كل من تحلق حوله من أصحاب الغرض والمرض فليس كل ابتسامة صفراء دلالة على الصداقة، وليس كل ما يلمع ذهبا، فالمعادن الأصيلة تعرف بعد صهرها بالنار وصقلها بماكنات السبك والضغط، وأزمنة الرخاء لا تخبرك المعادن الثمينة لأن النعومة والهشاشة لا تصنع الأقوياء، فلا تصادق ولا تحالف من وجدته في منطقة الراحة التي حذر منها خبراء التنمية البشرية، ولا تعتمد على الأجيال التي تربت في أزمنة الرخاء حتى تدخل الاختبار وتخرج منه راضية مرضية مصقولة قوية، قد يؤتمن الفرد لتزكية أخ أو توصية أمير لكن المحك الأخير هو التجربة، و الميدان الذي يكشف وفاء حميدان من خذلان عثمان.




