
حسن النعمان.
في الحروب الكبرى، لا تكفي البنادق وحدها لتفسير ما يحدث، فثمة لحظات يتداخل فيها السياسي بالغيبي، والمكر البشري بما يراه الناس قدرًا إلهيًا يتجاوز الحسابات. ومنذ اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل، بدا المشهد السوداني وكأنه يخرج عن منطق التوقعات التقليدية؛ فكل تحالف ظن أصحابه أنه محكم، تهاوى، وكل سيناريو رُسم بعناية، انقلب على مهندسيه.
هنا يبرز السؤال الذي يتردد في وجدان كثيرين:
ما الذي بين دقلو وبين الله؟
لقد اجتمعت عليه قوى إقليمية، وتحركت جماعات ضغط، وصُرفت أموال طائلة داخل أروقة السياسة الغربية، أملاً في إعادة تشكيل صورة الحرب عبر أدوات التصنيف والعزل الدولي. غير أن النتائج جاءت على خلاف ما اشتهته تلك القوى؛ فبدلاً من الحسم، تعقد المشهد، وبدلاً من العزلة، ازدادت حالة الارتباك لدى خصومه.
الإعلام بدوره لعب دورًا مسرحيًا بالغ الصخب؛ أصوات تتنبأ بالنهاية الوشيكة، ومقالات تُكتب بروح المنتصر قبل وقوع النصر، ومنابر تتعامل مع الأمنيات وكأنها حقائق مكتملة. حتى بدا وكأن بعض العواصم قد أعدّت احتفالاتها السياسية مسبقًا، متيقنة أن القرار القادم سيطوي صفحة الدعم السريع إلى الأبد.
لكن السياسة، كعادتها، لا تعترف بالعاطفة.
ففي اللحظة التي ظن فيها الجميع أن الطوق قد أُحكم، جاءت الوقائع مغايرة، وكأن ثمة قوة خفية تعيد توزيع الأوراق كل مرة بصورة لا تخضع لمنطق البشر وحدهم.
وفي عمق هذا التناقض، تتكشف المفارقة الأخلاقية القاسية:
أموال تُدفع باسم الدين، ودعوات تُرفع في المشاعر المقدسة طلبًا للنصر، بينما مخيمات النزوح تغرق في الجوع، وأهل دارفور يقتاتون على أوراق الشجر. هنا يفقد الخطاب الديني معناه حين يتحول إلى أداة سياسية، لأن الله — في وجدان البسطاء — لا يُشترى بالدعاية، ولا تُنال رحمته عبر الولاءات الإقليمية.
ومن أكثر المشاهد إثارة للدهشة أن أبناء الدعم السريع أنفسهم ظلوا جزءًا من المنظومات الأمنية التي تخدم ذات الدول التي تناصبهم العداء السياسي. وكأن الحرب السودانية لم تعد مجرد صراع داخلي، بل مرآة تعكس تناقضات الإقليم كله.
إن السؤال الحقيقي ليس من ينتصر عسكريًا فقط، بل كيف تفشل كل محاولات الحسم رغم كثافة التآمر وتشابك المصالح؟
ولماذا يعود الرجل، في كل مرة، من حافة السقوط السياسي؟
ربما لهذا يردد البعض، بدهشة لا تخلو من رهبة:
ما الذي بينك وبين الله يا دقلو؟
Alnouman Lourd
Frankfurt am Main
23.05.26




