رأي

حين يُسرق المستقبل

نجوي بابو

← رجوع

شكرًا لردكم ✨

نجوي بابو 

في كل الحروب هناك ما يُدمر بسرعة، وما يُدمر ببطء. تُهدم البيوت في لحظات، وتُحرق القرى خلال ساعات، لكن تدمير الإنسان يحتاج سنوات طويلة من الخوف والجوع والحرمان. وما يحدث اليوم في كردفان ودارفور والنيل الأزرق ليس مجرد نزاع مسلح على السلطة أو الأرض، بل عملية قاسية لسرقة المستقبل نفسه من أيدي الأطفال.

حين تُغلق المدارس، ويُدفع الأطفال إلى النزوح أو التجنيد أو العمل القسري، تصبح الحرب أكثر من معركة عسكرية؛ تصبح حرباً ضد الطفولة، وضد الحق في الحياة الكريمة، وضد إمكانية أن ينهض هذا الوطن مرة أخرى. فالأمم لا تُهزم فقط حين تخسر جيوشها، بل حين تفقد قدرتها على حماية أطفالها وتعليمهم وحقوقهم الأساسية.

في الحروب، تُقاس الخسائر عادة بعدد القتلى والجرحى والنازحين. لكن هناك خسارة أكثر هدوءاً وأشد فتكاً، لأنها لا تظهر في نشرات الأخبار ولا تُدفن في المقابر الجماعية: خسارة التعليم.

في كردفان ودارفور والنيل الأزرق، لم تعد الحرب تستهدف الأرض فقط، بل أصبحت تستهدف الزمن نفسه؛ زمن الأطفال، وأعمارهم، وحقهم الطبيعي في أن يكبروا داخل مدرسة لا داخل معسكر نزوح أو خندق أو طابور انتظار للمساعدات.

 

هناك جيل كامل في هذه المناطق لم يعرف الاستقرار المدرسي يوماً. أطفال ولدوا على أصوات الرصاص، كبروا بين النزوح والجوع والخوف، ثم وجدوا أبواب المدارس مغلقة، أو محروقة، أو محتلة بالسلاح. وبينما تتصارع القوى المسلحة على الجغرافيا والسلطة، يجري تدمير الإنسان السوداني بصمت، عبر حرمانه من أبسط أدوات النجاة: المعرفة.

الحرب حين تمنع طفلاً من الذهاب إلى المدرسة لا تؤجل مستقبله فقط، بل تعيد تشكيل وعيه بالكامل. الطفل الذي يُحرم من التعليم يصبح أكثر عرضة للتجنيد القسري، والعنف، والاستغلال، واليأس. وحين يغيب الكتاب، تحضر البندقية. وحين تختفي المدرسة، تظهر معسكرات التعبئة. وهكذا يتحول الأطفال من ضحايا للحرب إلى وقود دائم لها.

في مناطق واسعة من النزاع، لم يعد الطفل يُعامل بوصفه مواطناً له حقوق مدنية واجتماعية، بل باعتباره مورداً بشرياً للحرب. يُنتزع من طفولته مبكراً، ويُدفع نحو حمل السلاح أو العمل القسري أو الهجرة الخطرة، بينما تُسلب منه أبسط حقوقه: التعليم، والحماية، والرعاية الصحية، والهوية القانونية، وحتى الحق في الحلم بمستقبل مختلف. والأسوأ أن الأطفال الذين يكبرون خارج المدرسة وخارج مظلة القانون غالباً ما يُحكم عليهم بالبقاء على هامش المجتمع حتى بعد توقف القتال.

الفتاة التي تُحرم من التعليم تصبح أكثر عرضة لزواج القاصرات والفقر المزمن، والطفل الذي يُجند أو يُدفع إلى اقتصاد الحرب يفقد تدريجياً إحساسه بالحياة الطبيعية. وهكذا تتحول الحرب من مواجهة عسكرية إلى عملية منظمة لتفكيك المجتمع من داخله، عبر كسر الجيل الذي كان يفترض أن يعيد بناء البلاد.

الأخطر أن التعليم لم يعد ضحية جانبية للنزاع، بل أصبح في كثير من الأحيان جزءاً من أدواته. تستخدمه سلطات الأمر الواقع كوسيلة للسيطرة والعقاب وإعادة تشكيل الولاءات. تُغلق المدارس في مناطق، وتُفتح بشروط أيديولوجية في مناطق أخرى، وتُفرض مناهج مرتبكة، ويُترك ملايين الأطفال خارج أي نظام تعليمي حقيقي. كأن المعركة لم تعد فقط حول من يحكم السودان، بل حول من يملك عقل الطفل السوداني ومستقبله.

إن ما يحدث اليوم في هذه الأقاليم ليس مجرد “فاقد تربوي”، بل جريمة تاريخية بحق ثلاثة أجيال متتالية. جيل فقد المدرسة، وجيل فقد الجامعة، وجيل يُدفع الآن نحو الأمية والتجنيد واليأس قبل أن يبدأ حياته أصلاً. وهذا النوع من الدمار لا تُصلحه اتفاقيات السلام وحدها، لأن الحرب حين تنتهي عسكرياً قد تستمر داخل المجتمع لعقود عبر الجهل والفقر والعنف والتفكك الاجتماعي.

لا يمكن إنقاذ السودان إذا تُركت هذه المناطق بلا تعليم ولا حماية للأطفال. فالدولة التي تعجز عن حماية مدارسها وأطفالها تعجز لاحقاً عن حماية سلامها، واقتصادها، ووحدتها الوطنية. التعليم ليس خدمة حكومية هامشية يمكن تأجيلها إلى ما بعد الحرب، بل هو خط الدفاع الأخير ضد الانهيار الكامل. المدرسة في مناطق النزاع ليست مبنى فقط؛ إنها المساحة الوحيدة التي يمكن أن يتعلم فيها الطفل أن هناك مستقبلاً ممكناً خارج البندقية وخارج ثقافة الحرب.

لهذا فإن التعامل مع التعليم بوصفه ملفاً ثانوياً في الاستجابة الإنسانية يمثل خطأً كارثياً. المطلوب ليس انتظار عودة الاستقرار، لأن الاستقرار نفسه لن يعود إذا نشأ ملايين الأطفال خارج أي تعليم أو حماية قانونية. المطلوب هو إعلان حالة طوارئ تعليمية وإنسانية، تُعامل المدارس كما تُعامل المستشفيات ومخازن الغذاء. المطلوب بناء صفوف مؤقتة في معسكرات النزوح، ودعم المعلمين الذين يعملون بلا رواتب، وتطوير مناهج مختصرة للطوارئ، وإنشاء برامج عاجلة لحماية الأطفال من التجنيد القسري والاستغلال والعمل المسلح.

لكن المسؤولية لا تقع على المؤسسات الدولية وحدها، ولا على الدولة وحدها. المجتمع نفسه مطالب بأن يدافع عن التعليم والطفولة كما يدافع عن الحياة. في كثير من مناطق السودان، أصبحت المبادرات الشعبية أكثر قدرة على حماية ما تبقى من الدولة. الأمهات اللواتي ينظمن حلقات تعليم صغيرة، والشباب الذين يدرسون الأطفال تطوعاً، والمعلمون الذين يواصلون العمل رغم الجوع والنزوح، هؤلاء ليسوا مجرد أفراد يؤدون واجباً أخلاقياً، بل هم حراس المستقبل السوداني الحقيقيون.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للسودان ليس فقط استمرار الحرب، بل أن يعتاد الناس غياب المدرسة وغياب الطفولة نفسها. حين يصبح وجود طفل يحمل السلاح أمراً عادياً، أو يصبح انقطاعه عن التعليم قدراً طبيعياً، تكون البلاد قد دخلت مرحلة الانهيار العميق. لأن الأمم لا تسقط فقط عندما تخسر معاركها العسكرية، بل عندما تخسر أطفالها.

في كردفان ودارفور والنيل الأزرق، لا يحتاج الأطفال إلى خطابات سياسية جديدة، بل إلى سبورة، وكتاب، ومعلم، ومكان آمن، وقانون يحميهم من الحرب ومن الذين يحاولون سرقة أعمارهم

إن إنقاذ التعليم في مناطق الحرب ليس ترفاً فكرياً ولا بنداً هامشياً في خطط الإغاثة، بل معركة مصيرية من أجل بقاء السودان نفسه. فكل طفل يُنتزع من المدرسة اليوم، هو مشروع أزمة جديدة غداً؛ وكل جيل يُترك للأمية والخوف والتجنيد، هو جرح مفتوح في جسد الوطن لن يلتئم بسهولة.

قد تتوقف الحروب بتوقيع الاتفاقيات، لكن آثارها الحقيقية تبقى في عقول الأطفال الذين كبروا بلا أمان، وبلا تعليم، وبلا فرصة عادلة للحياة. ولهذا فإن حماية الطفولة ليست عملاً خيرياً، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية وسياسية لا تحتمل التأجيل.

فإذا فشل السودان في حماية تعليم أطفاله وحقوقهم اليوم، فلن تكون الخسارة مجرد سنوات دراسية ضائعة، بل ضياع وطن كامل في المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!