رأي

بين الحرب والإنسانية.. موقف حميدتي وأسرة السافنا يهز المشهد السوداني

د. اخلاص قرنق

 

د. اخلاص قرنق 

في زمنٍ اختلطت فيه المواقف، وتبدلت فيه الوجوه، وباع كثيرون قضاياهم مقابل ا لمصالح والخوف والطموحات الشخصية، يظل للمواقف الإنسانية والأخلاقية وزنها الكبير، حتى وسط أتون الحرب والاقتتال.

ما حدث مع أسرة القائد المنشق علي رزق الله “السافنا” كشف جانباً مهماً من تعقيدات المشهد السوداني، وأعاد التذكير بأن الحروب مهما اشتدت، لا ينبغي أن تُسقط القيم الإنسانية أو تُحوّل الأسر والأطفال والنساء إلى وقود للصراعات السياسية والعسكرية.

الموقف الذي أعلنه قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو تجاه أسرة السافنا، بتوفير الحماية والرعاية الكاملة لهم، حمل رسالة سياسية وإنسانية في آنٍ واحد، مفادها أن الخلافات والانشقاقات لا يجب أن تمتد إلى الأسر والعائلات، وأن النساء والأطفال لا ذنب لهم في حسابات الحرب وتقلبات المواقف.

لكن اللافت أكثر من ذلك، كان الموقف الشجاع لابنة السافنا وزوجته، حين خرجتا للرأي العام لتوضيح أن والدهم ـ رغم انشقاقه ـ لا يمثل موقف الأسرة، وأن ما حدث لا يجب أن يُستخدم للإساءة أو للمتاجرة بالمكونات الاجتماعية والقبلية. ذلك الموقف لم يكن سهلاً في ظل حالة الاستقطاب الحادة والخوف والانقسام التي يعيشها السودان اليوم.

لقد تحدثتا بشجاعة في وقتٍ اختار فيه كثيرون الصمت، أو الهروب، أو تبديل المواقف وفق اتجاه الريح. كان حديثهما رسالة واضحة بأن الانتماء للقضية لا يُشترى، وأن الكرامة لا تُباع، وأن الإنسان قد يختلف مع أقرب الناس إليه حين يشعر أن الوطن يُستغل أو تُستخدم مكونات المجتمع وقبائله وقوداً للفتنة والانقسام.

السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى البنادق، بل يحتاج إلى مواقف أخلاقية تعيد للناس إنسانيتهم. يحتاج إلى خطاب يُفرق بين الخصومة السياسية وبين استهداف الأسر والمجتمعات. ويحتاج أيضاً إلى الاعتراف بأن هذه الحرب أحرقت الجميع، وأن أكبر الخاسرين فيها هم المواطنون البسطاء الذين وجدوا أنفسهم بين نارين.

ما قالته أسرة السافنا يعكس حقيقة مهمة: أن الأوطان أكبر من الأفراد، وأكبر من القيادات، وأكبر من الولاءات المؤقتة. فحين تتحدث الابنة والزوجة بهذه الجرأة، فهما لا تدافعان فقط عن نفسيهما، بل تدافعان عن فكرة أن الإنسان يجب ألا يُجبر على حمل مواقف لا يؤمن بها.

وما بين ضجيج الحرب، وضباب السياسة، تبقى المواقف الإنسانية الصادقة هي ما يرسخ في ذاكرة الشعوب.

فخلال ساعتين فقط من انتشار فيديو أسرة السافنا، جاءت استجابة قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو سريعة وواضحة، حامِلةً رسالة بأن النساء والأطفال والأسر يجب ألا يكونوا ضحايا للصراع أو أدوات للانتقام السياسي.

ذلك التفاعل السريع لم يكن مجرد استجابة لنداء إنساني، بل عكس إدراكاً لحجم الخوف والمعاناة التي تعيشها الأسر السودانية وسط هذه الحرب القاسية. كما أكد أن الخلافات والانشقاقات مهما بلغت، لا ينبغي أن تسقط القيم أو تنزع الرحمة من القلوب.

وفي المقابل، سجّلت ابنة السافنا ووالدتها موقفاً شجاعاً سيظل محل احترام، حين اختارتا الحديث بوضوح والثبات على قناعتهما، في وقتٍ صار فيه كثيرون يبيعون المواقف تحت ضغط الخوف أو المصالح.

ويبقى السودان بحاجة إلى مثل هذه اللحظات التي تذكّر الناس بأن الوطن لا يُبنى بالكراهية، وإنما بالشجاعة، والوعي، والإنسانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!