رأي

الدكتور حمدوك.. رجل الدولة الذي أراد للسودان أن يحيا

د.إخلاص قرنق

 

د. إخلاص قرنق

في زمنٍ اختلطت فيه أصوات البنادق بنداءات السلام، وارتفعت فيه رايات الحرب فوق أنقاض الوطن، ظل Abdalla Hamdok واحداً من القلائل الذين تمسكوا بحلم الدولة المدنية الديمقراطية، مؤمناً بأن السودان لا يمكن أن يُحكم بالقوة، ولا يُبنى بالإقصاء، ولا يستقر تحت ظلال الاستبداد.

منذ أن تولى رئاسة الوزراء بعد ثورة ديسمبر المجيدة، واجه الرجل حرباً خفية وعلنية من قوى الظلام السياسي، لأن مشروعه لم يكن مشروع سلطة، بل مشروع وطن. كانوا يدركون أن نجاح حمدوك يعني نهاية عهد الهيمنة باسم الدين، ونهاية احتكار الدولة بواسطة جماعات الإسلام السياسي التي أرهقت السودان ثلاثين عاماً بالحروب والفساد والانقسام.

لقد كان حمدوك واضحاً منذ البداية: لا خلاص للسودان إلا بحكم مدني ديمقراطي، قائم على العدالة والمواطنة والسلام. ولهذا السبب تآمروا عليه، وشوهوا صورته، وحاربوا حكومته، ثم أعادوا البلاد إلى دائرة الدم والخراب عندما شعروا أن السودان بدأ يقترب من فجر الدولة المدنية.

وفي كلمته الافتتاحية الأخيرة في نيروبي خلال اجتماعات القوى السودانية الساعية لبناء وطن جديد، عاد حمدوك ليؤكد ذات المبادئ التي ظل يحملها منذ سنوات؛ مبادئ الحوار السوداني السوداني، ومخاطبة جذور الأزمة، والاعتراف الحقيقي بتنوع السودان الثقافي والإثني والسياسي، باعتبار أن فشل النخب السودانية في إدارة هذا التنوع كان أحد أهم أسباب الحروب والانقسامات.

لقد تحدث الرجل بعقل رجل دولة لا بعقل سياسي يبحث عن مكاسب مؤقتة. دعا إلى سلام نهائي لا هدنة مؤقتة، وإلى دستور انتقالي يؤسس لدولة القانون، وإلى خارطة طريق واضحة تُنهي الحرب وتعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة، بعيداً عن عقلية الإقصاء والانتقام.

كما أشار إلى أن السودان لم تنقصه المبادرات ولا الوساطات الدولية والإقليمية؛ من المنامة إلى جدة إلى برلين وغيرها من المنابر التي حاولت تقريب وجهات النظر وإيقاف نزيف الدم. لكن المشكلة الحقيقية كانت دائماً في الطرف الذي رفض السلام، ورفض التنازل للوطن، وأصر على استمرار الحرب خدمةً لأجندته السياسية والأيديولوجية.

وحين تحدث حمدوك عن جماعات الإسلام السياسي، لم يكن يتحدث بدافع الخصومة، بل من واقع تجربة عاشها الشعب السوداني بكل مآسيها. فهذه الجماعات — التي رفعت شعارات الدين — قادت البلاد إلى الانهيار الاقتصادي، والعزلة الدولية، وتمزيق النسيج الاجتماعي، ثم دفعت بالسودان مرة أخرى إلى أتون الحرب عندما شعرت بأن الحكم المدني يهدد نفوذها.

لقد قالها حمدوك بوضوح: إن الشعب السوداني لن ينسى من أشعلوا الحرب وخربوا الوطن وعطلوا مسيرة السلام. والتاريخ بالفعل لا يرحم الذين يتاجرون بأوجاع الشعوب، ولا الذين يضعون مصالح التنظيم فوق مصلحة الوطن.

إن السودان اليوم لا يحتاج إلى خطابات الكراهية، بل إلى رجال دولة يحملون مشروع سلام حقيقي. يحتاج إلى عقلية تؤمن بالحوار لا بالرصاص، وبالديمقراطية لا بالديكتاتورية، وبالوطن للجميع لا الوطن المختطف بواسطة جماعة أو حزب أو أيديولوجيا.

وربما لهذا السبب بقي حمدوك مستهدفاً؛ لأن مشروعه ببساطة كان يعني عودة السودان إلى أهله.

وفي النهاية، سيبقى السؤال الكبير: كم من الدماء كان يمكن أن تُحقن لو أن دعاة الحرب استمعوا لصوت العقل والسلام؟

لكن رغم كل هذا الخراب، ما زال الأمل قائماً… فالسودان أكبر من الحرب، وأكبر من الطغاة، وأكبر من تجار الدين والسياسة. وسيأتي يوم يجلس فيه السودانيون حول طاولة وطن واحدة، لا غالب فيها إلا الوطن، ولا منتصر فيها إلا السلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!